وأبو العلاء المعري في لزومياته ناقد للمجتمع لا لما جناه المجتمع على شخصه كما فعل المتنبي، ولكن لما جناه المجمتع على نفسه.
فالملوك في وضعهم الحقيقي خدام الرعية، ولكنهم بالفعل ظالموها ومستغلوها:
مل المقام فكم أعاشر أمة
أمرت بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
وعدوا مصالحها وهم أجراؤها
وهؤلاء الولاة المسيطرون على الناس لا عقل لهم، ولا عدل عندهم، شياطين في ثياب ولاة، لا يهمهم جوع الناس إذا ملئت بطونهم، وخمرت رؤوسهم:
ساس الأنام شياطين مسلطة
في كل مصر من الوالين شيطان
من ليس يحفل خمص الناس كلهم
إن بات يشرب خمرا وهو مبطان
وحول هؤلاء الولاة بطانة قد جمدت عواطفهم كأنها الحجارة أو أشد قسوة، لا يرحمون دمعة مظلوم، ولا يجيبون صرخة مستغيث:
يجور فينفي الملك عن مستحقه
فتسكب أسراب العيون الدوامع
ومن حوله قوم كأن وجوههم
صفا لم يلين بالغيوث الهوامع
والقضاة لا عقل ولا عدل:
وأي امرئ في الناس ألفي قاضيا
فلم يمض أحكاما كحكم سدوم
وفقهاء، صناعتهم الكلام ولا روح ولا أحلام:
كأن نفوس الناس والله شاهد
نفوس فراش ما لهن حلوم
وقالوا فقيه والفقيه مموه
وحلف جدال والكلام كلوم
ووعاظ، يقولون ما لا يفعلون، ويأتون ما ينكرون:
رويدك قد غررت وأنت حر
بصاحب حيلة يعظ النساء
يحرم فيكم الصهباء صبحا
ويشربها على عمد مساء
وشعراء، ليسوا إلا لصوصا يعدون على من قبلهم في سرقة أقوالهم، ويعدون على الأغنياء بمديحهم لسلب أموالهم:
وما شعراؤكم إلا ذئاب
تلصص في المدائح والشباب
أضر - لمن تود - من الأعادي
وأسرق للمقال من الزباب
60
وقوم تسودهم الخرافة فيلجئون إلى المنجمين والعرافين والمعزمين، وما لهؤلاء من علم، ولكنها شباك تنصب لاستدرار الأموال من المغفلين والمغفلات:
متكهن ومنجم ومعزم
وجميع ذاك تحيل لمعاش •••
لقد بكرت في خفها وإزارها
لتسأل بالأمر الضرير المنجما
وما عنده علم فيخبرها به
ولا هو من أهل الحجا فيرجما
ويوهم جهال المحلة أنه
يظل لأسرار الغيوب مترجما
ولو سألوه بالذي فوق صدره
لجاء بمين أو أرم وجمجما •••
سألت منجمها عن الطفل الذي
في المهد كم هو عائش من دهره
فأجابها مائة ليأخذ درهما
وأتى الحمام وليدها في شهره
وبعد أن نقدهم طبقات، من الملوك إلى القضاة إلى الوعاظ إلى التجار إلى النساء، نقدهم جملة، فكل الناس في كل زمان ومكان لا يصلحون إلا للفناء:
وهكذا كان أهل الأرض مذ فطروا
فلا يظن جهول أنهم فسدوا •••
لو غربل الناس كيما يعدموا سقطا
لما تحصل شيء في الغرابيل
أو قيل للنار: خصي من جنى، أكلت
أجسادهم وأبت أكل السرابيل •••
يحسن مرأى لبني آدم
وكلهم في الذوق لا يعذب
ما فيهم بر ولا ناسك
إلا إلى نفع له يجذب
أفضل من أفضلهم صخرة
لا تظلم الناس ولا تكذب
وسبب فسادهم أنهم منحوا العقل فلم يصغوا إليه ولم يلتفتوا له، وتجاذبهم عقل يرشد وطبع يغوي، فجروا وراء طبعهم وأهملوا عقلهم:
فأوسع بني حواء هجرا فإنهم
يسيرون في نهج من الغدر لاحب
وإن غير الإثم الوجوه فما ترى
لدى الحشر إلا كل أسود شاحب
إذا ما أشار العقل بالرشد جرهم
إلى الغي طبع أخذه أخذ ساحب •••
واللب حاول أن يهذب أهله
فإذا البرية ما لها تهذيب
من رام إنقاء الغراب لكي يرى
وضح الجناح أصابه تعذيب •••
إلى الله أشكو مهجة لا تطيعني
وعالم سوء ليس فيه رشيد
حجى مثل مهجور المنازل داثر
وجهل كمسكون الديار مشيد •••
العقل إن يضعف يكن مع هذه ال
دنيا كعاشق مومس تغويه
أو يقو فهي له كحرة عاقل
حسناء يهواها ولا تهويه •••
فطبعك سلطان لعقلك غالب
تداوله أهواؤه بالتشصص
سقيت شرابا لم تهنأ ببرده
فعنيت من بعد الصدى بالتغصص
وهكذا أفاض في نقد المجتمع ومظاهره ونظمه وأخلاقه، وكان في كل ذلك موفقا كل التوفيق، ومظهر توفيقه أنه استطاع في مهارة أن يدرك عيوب المجتمع في جملتها وتفصيلها، ويعالج ظواهرها، ويعمق في النفس الإنسانية في دقة وتحليل، فيصل إلى دخائلها.