تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الجآذر في زي الأعاريب

حمر الحلى والمطايا والجلابيب •••

ما أوجه الحضر المستحسنات به

كأوجه البدويات الرعابيب

حسن الحضارة مجلوب بتطرية

وفي البداوة حسن غير مجلوب

أين المعيز من الآرام ناظرة

وغير ناظرة في الحسن والطيب

أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها

مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب

لا برزن من الحمام مائلة

أوراكهن صقيلات العراقيب

ومن هوى كل من ليست مموهة

تركت لون مشيبي غير مخضوب

ومن هوى الصدق في قولي وعادته

رغبت عن شعر في الرأس مكذوب

فهو يمثل أيضا ما كان في عصره من بداوة وحضارة، وبساطة في العيش وتركيب.

وابن حجاج، وابن سكرة يمثلان الأدب الشعبي، وحالة العصر في مجونه وهزله، وفساده وانحطاطه، وأدبه المكشوف الذي لا يرعى خلقا ولا ذوقا، فكل لفظة مهما تعرت وسقطت صالحة لأن تكون في الشعر، وأن تقال في حضرة الملوك والوزراء والقضاة، وتختار فيما يختار للمتأدبين، كما فعل الثعالبي في اليتيمة، وقد سبق بعض القول فيهما.

والشريف الرضي يمثل طبقة الأشراف المثقفة الواسعة العلم، المعتزة بجاهها ونسبها ومنصبها، تعيش عيشة الترف، وتجالس الخلفاء والوزراء من ناحية، وتتصل بحكم منصبها بالشعب - إذ كان نقيب الأشراف - من ناحية أخرى.

فيقول الشعر اعتزازا بالجاه والنسب، ويخاطب الخليفة القادر:

عطفا أمير المؤمنين فإننا

في دوحة العلياء لا نتفرق

ما بيننا يوم الفخار تفاوت

أبدا كلانا في العلاء معرق

إلا الخلافة ميزتك فإنني

أنا عامل منها وأنت مطوق

وهو لمركزه يقيد كثيرا من أحداث التاريخ العظمى التي شاهدها، وقد شاء القدر أن يكون في مجلس الخليفة الطائع يوم فتك الفرس به، كما كان البحتري في مجلس المتوكل يوم فتك الترك به، وخرج هذا - كما خرج ذاك - هائما، وقال «الشريف» في ذلك قصيدته التي مطلعها: «لواعج الشوق تخطيهم وتصميني» وقد تقدمت نبذة منها. وله في ذلك قصيدة أخرى منها:

إن كان ذاك الطود خ

ر فبعد ما استعلى طويلا •••

لهفي على ماض قضي

ألا ترى منه بديلا

وزوال ملك لم يكن

يوما يقدر أن يزولا

وقال قصيدته الأخرى:

أي طود دك من أي جبال

لقحت أرض به بعد حيال

ما رأى حي نزار قبلها

جبلا سار على أيدي رجال

عقروا ليثا ولو هاهوا به

كان بعد العقر أرجي للصيال •••

وكأني خلل الغيب أرى

نغرة من جرحها بعد اندمال

وإذا الأعداء عدوك لها

سلموا فضلك من غير جدال

لا أضاعوا رابئا في قلة

كلأ المجد وقد نام الكوالي

58

يوم للشعب دهان من دم

والمواضي للمقاديم

59

فوالي •••

فاتني منك انتصار بيميني

فتلافيت انتصارا بمقالي ... إلخ.

وقد كانت ثورة البحتري أقوى وأصرح وأعنف، إذ لم تكن النفوس اعتادت «التقية» من كثرة ما أصابها من ظلم.

هذا إلى ما يسجله من أحداث كثيرة من رجال الدولة البويهية.

كما أنه كان شاعر الشيعة يشكو الزمان لعدم إنصافهم، ويعدد مزاياهم واستحاقهم، ويرثي لما أصابهم، ويرثي الحسين ... إلخ، فهو لسان العلويين والطالبيين، وباعث الأمل فيهم في استرداد حقوقهم، ونيل ما فاتهم.

ثم له الناحية الخاصة في حياته، التي يمثل في شعره فيها حياة الأدباء والظرفاء الموسرين من غزل في الحرائر والإماء، من مثل قوله:

وتميس بين مزعفر ومعصفر

ومعنبر وممسك ومصندل

وإذا سألت الوصل قال جمالها

جودي، وقال دلالها لا تفعلي

وفي الغلمان على عادة عصره، مثل قوله في غلام لا يحسن التكلم بالعربية:

حبيبي ما أزرى بحبك في الحشا

ولا غض عندي منك أنك أعجم

بنفسي من يستدرج اللفظ عجمة

كما يمضغ الظبي الأراك ويبغم

وله الأبيات الكثيرة في وصف الزهور، والسماء والنجوم، وحمامة وفرخيها، والبرق والفجر ... إلخ.

ويظهر أنه كان ضعيف الصحة، مصابا بالأمراض، ومعرضا للأخطار، فارتاع من الشيب وأكثر من وصفه، وأجاد في مراثي أصدقائه وأقربائه إجادة فائقة، وقد كان صديقا لكثير من علماء عصره وأدبائهم سبقوه إلى الموت، فخلد عواطفه نحوهم في شعر رقيق.

ظهر الإسلام · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٥٧