تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمتنبي يمثل في مجتمعه ما كان من أحداث في الحروب بين الحمدانيين والروم؛ فقد كان شاعر سيف الدولة، وكان شاعرا فارسا يغشى الحروب مع سيف الدولة، ويسجل حوادثها تسجيلا أدبيا في النصر والهزيمة، والضرب والطعان والأسر والسبي، فشعره في هذا لمعمعة القتال والمعيشة الحربية.

ثم هو يمثل الأدب الأرستقراطي، فهو يمثل الأدب الذي يعيش على موائد الملوك، فلم يكن يمدح إلا ملكا أو شبه ملك، وقد ترفع عن مدح الصاحب بن عباد وهو ما هو في منزلته وجاهه. فشعره ينقسم إلى سيفيات في سيف الدولة، وكافوريات في كافور، وعضديات في عضد الدولة؛ ولكنه في مديحه هذا يرفع نفسه إلى مرتبة من يمدحه، فيكون صديقا أو حبيبا لا عبدا مستجديا؛ فيقول في كافور:

وما أنا بالباغي على الحب رشوة

ضعيف هوى يبغى عليه ثواب

وما شئت إلا أن أدل عواذلي

على أن رأيي في هواك صواب

إذا نلت منك الود فالمال هين

وكل الذي فوق التراب تراب

ويقول في ابن العميد:

تفضلت الأيام بالجمع بيننا

فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد

فجد لي بقلب إن رحلت فإنني

مخلف قلبي عند من فضله عندي

وفي سيف الدولة:

يا أعدل الناس إلا في معاملتي

فيك الخصام وأنت الخصم والحكم •••

سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا

بأنني خير من تسعى به قدم

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

وأسمعت كلماتي من به صمم

أنام ملء جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جراها ويختصم

ونقد المجتمع نقدا مرا؛ ولكن لا من ناحية أنه لم يجد ما يأكل كابن لنكك، ولا من ناحية أن مجتمعه في نفسه فاسد كأبي العلاء، ولكن من ناحية أنه وازن بين نفسه وكفايتها في الحرب والأدب وطلب المجد، وبين ملوك زمانه وأمرائه، فرأى أنه أحق بالملك أو بالإمارة منهم، فهجا المكان والزمان والدنيا:

لحا الله ذي الدنيا مناخا لراكب

فكل بعيد الهم فيها معذب •••

ودهر ناسه ناس صغار

وإن كانت لهم جثث ضخام

وما أنا منهمو بالعيش فيهم

ولكن معدن الذهب الرغام

فشبه الشيء منجذب إليه

وأشبهنا بدنيانا الطغام •••

إذا ما الناس جربهم لبيب

فإني قد أكلتهمو وذاقا

فلم أر ودهم إلا خداعا

ولم أر دينهم إلا نفاقا •••

يقولون لي: ما أنت في كل بلدة

وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى

57

كأن بنيه عالمون بأنني

جلوب إليهم من معادنه اليتما

وما الجمع بين الماء والنار في يدي

بأصعب من أن أجمع الجد والفهما •••

وإني لمن قوم كأن نفوسهم

بها أنف أن تسكن اللحم والعظما

ويرى علة فساد المجتمع فساد ملوكه، ولا يصلح للعرب إلا ملوك من العرب، وهو يرشح بذلك لنفسه:

سادات كل أناس من نفوسهم

وسادة المسلمين الأعبد القزم

أغاية الدين أن تحفوا شواربكم

يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

ألا فتى يورد الهندي هامته

كيما تزول شكوك الناس والتهم •••

ردي حياض الردى يا نفس واتركي

حياض خوف الردي للشاء والنعم

إن لم أذرك على الأرماح سائلة

فلا دعيت ابن أم المجد والكرم

أيملك الملك والأسياف ظامئة

والطير جائعة لحم على وضم؟

ميعاد كل رقيق الشفرتين غدا

ومن عصى من ملوك العرب والعجم

فهو بذلك كله ينقد المجتمع ويذم الدهر من ناحيته الشخصية، وهو أنه لم ينله مقصده.

كما أنه يمثل مجتمعه من ناحية أخرى دقيقة؛ فقد كان في الشام والعراق ومصر بدو وحضر، وتثقف المتنبي ثقافة بدوية وحضرية، وأقام في البدو حينا وعاش عيشتهم واستفاد من ألفاظهم وأساليبهم، ثم خالط سيف الدولة وكافورا وعضد الدولة، وأكل على موائدهم، ورأى ترفهم نعيمهم، فكان لذلك صدى في شعره؛ فهو بدوي حضري: بدوي في لفظه وأسلوبه وقوته وجزالته، وفي كثير من معانيه وأوصافه كوصف الخيل والسلاح، حضري في بعض معانيه كوصف الفازة من الديباج عليها صورة ملك الروم وصور وحش وحيوان، ويصف بطيخة من الند في غشاء من خيزران عليها قلادة لؤلؤ وعلى رأسها عنبر قد أدير حولها ... إلخ.

ويحن إلى الأعرابيات، ويتشبب بهن، ويفضلهن على الحضريات:

ظهر الإسلام · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٥٦