تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستعمال الحيل مثل إيهام الناس أنه يجمع الصدقة للخروج إلى الغزو، أو يحتال على من أصيب بوجع الضرس فيجعل دود الجبن فيما بين أسنانه ثم يخرجه ويوهم أنه أخرجه بالرقية، أو يتعامى وهو بصير، أو ينظر في الفال والزجر والنجوم، أو يعطي قوما دراهم حتى يأتوا ويسألوا عن نجمهم تحميسا للناس أن يحذوا حذوهم ... إلخ.

ولهم لغة خاصة وأدب خاص واصطلاحات لا يكاد يفهمها غيرهم، وتسمى «مناكاة بني ساسان».

قال الثعالبي في وصف الصاحب بن عباد: «وكان الصاحب يحفظ مناكاة بني ساسان حفظا عجيبا، ويعجبه من أبي دلف وفور حظه منها، وكانا يتجاذبان أهدابها، ويجريان فيما لا يفطن له حاضرهما.»

56

ولعل المناكاة مفاعلة من نكى بمعنى أتى عملا لإغضاب الغير وقهره، ومنه «ضعيف النكاية أعداءه»، فيظهر أنه كان من حيلهم أنهم يتهاجون ويتسابون ويتخاصمون تصنعا حتى يستلبوا مال الناس؛ ولعل المقامة الدينارية في مقامات البديع - التي تمثل رجلين يتسابان بأقبح السباب من هذا الضرب - وقد جمع فيها كل سب كان في عصره من مثل: يا برد العجوز، يا وسخ الكوز، يا درهما لا يجوز، يا سنة البوس، يا كوكب النحوس ... إلخ. فرد عليه الآخر بقوله: يا قراد القرود، يا لبود اليهود، يا عدما في وجود ... إلخ. وقد ذكر البديع في هذه المقامة أنهما كانا من بني ساسان.

فترى من هذا أن الضرب من الحفاة الذي جر إليه سوء الحالة الاقتصادية، وعدم التوازن الاجتماعي، والإفراط في البؤس بجانب الإفراط في الترف، قد انعكست صورته على الأدب، فأخرج المقامات وغيرها من أدب التكدي، كما أخرج شعرا كثيرا في شكوى الزمان وسوء الحال، من مثل ما نراه في شعر ابن لنكك البصري كقوله:

يا زمانا ألبس الأح

رار ذلا ومهانه

لست عندى بزمان

إنما أنت رمانه

كيف نرجو منك خيرا

والعلا فيك مهانه

أجنون ما نراه

منك يبدو أم مجانه

وقوله:

جار الزمان علينا في تصرفه

وأي دهر على الأحرار لم يجر

عندي من الدهر ما لو أن أيسره

يلقى على الفلك الدوار لم يدر

وقوله:

نحن والله في زمان غشوم

لو رأيناه في المنام فزعنا

يصبح الناس فيه من سوء حال

حق من مات منهم أن يهنا ... إلخ إلخ.

وله في ذلك الشيء الكثير بين جد وهزل. •••

وكانت في هذا العصر مجموعة من الشعراء تمثل صور الحياة الاجتماعية المختلفة؛ فالصنوبري الحلبي يمثل الترف والنعيم والعيش الرغد، ينعم بالقصر الفخم والحديقة الغناء، ويتغنى بجمال الأزهار وجمال الطبيعة، فله شعر في الورد، وشعر في حديقة يعتز بها ويقول فيها:

لو كنت أملك للرياض صيانة

يوما لمل وطئ اللئام ترابها

وقطع في وصف الورد والنرجس والأقحوان والنمام والسوسن والشقيق والبنفسج والياسمين ... إلخ، ثم غزل قليل.

ويقيم مناظرة بين الورد والنرجس فيقول:

زعم الورد أنه هو أبهى

من جميع الأنوار والريحان

فأجابته أعين النرجس الغ

ض بذل من فوقها وهوان

أيهما أحسن التورد أم مق

لة ريم من فضة الأجفان؟

أم فماذا يرجو بحمرته الخ

د إذا لم يكن له عينان؟!

فزها الورد ثم قال مجيبا

بقياس مستحسن وبيان

إن ورد الخدود أحسن من عي

ن بها صفرة من اليرقان

والذي مكن له في هذا غناه؛ فقد كان له بمدينة حلب قصر فخم حوله الغروس والرياحين وشجر النارنج، إلى ذوق فني يغني في جمال الأزهار.

يقابله الشاعر ابن لنكك الذي يصور البؤس والفقر وعبث الأقدار، وقد قال فيه الثعالبي: «كانت حرفة الأدب تمسه وتجمشه، ومحنة الفضل تدركه فتخدشه، ونفسه ترفعه، ودهره يضعه.» فأفاض في شكوى الزمان، وجوده، وعجائبه:

نحن من الدهر في أعاجيب

فنسأل الله صبر أيوب

أقفرت الأرض من محاسنها

فابك عليها بكاء يعقوب

وقد سبق أن ذكرنا بعض شعره في هذا الباب.

وإذا كانت الحياة الاجتماعية بين بائس ومجدود، غنى ذلك نغمة مرحة في ترفه ونعيمه وزهوره، وغنى هذا نغمة حزينة في بؤسه وفقره وخذلان زمانه له.

ظهر الإسلام · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٥٥