تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبدأت العصبية ضد الأتراك من عهد دخولهم بغداد، فقد شكا أهل بغداد للمعتصم وقالوا له: تحول عنا وإلا قاتلنا! قال: وكيف تقاتلونني وفي عسكري ثمانون ألف دارع؟! قالوا: نقاتلك بسهام الليل - يعنون الدعاء - فقال المعتصم: والله ما لي بها طاقة! فبنى لذلك سر من رأى وسكنها.

5

وهجا دعبل الخزاعي المعتصم لتعصبه للأتراك وحمايته إياهم فقال:

لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم

وصيف وأشناس وقد عظم الخطب

وإني لأرجو أن ترى من مغيبها

مطالع شمس قد يغص بها الشرب

وهمك تركي عليه مهانة

فأنت له أم وأنت له أب

بل يظهر أن المعتصم نفسه - وهو جالب الأتراك - قارن بين خدمة الفرس للخلفاء قبله وخدمة الترك له، فحمد الأولى وذم الثانية؛ فقد روى الطبري أن المعتصم، دعا أبا الحسين إسحاق بن إبراهيم،

6

وبعد حديث طويل، قال المعتصم: يا إسحاق! في قلبي شيء أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة. فقال إسحاق: قل يا سيدي فأنا عبدك وابن عبدك. قال المعتصم: نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة أنجبوا، واصطنعت أنا أربعة لم يفلح أحد منهم! قال إسحاق: ومن الذي اصطنعهم أخوك؟ قال: طاهر بن الحسين؛ فقد رأيت وسمعت، وعبد الله بن طاهر؛ فهو الرجل الذي لم ير مثله، وأنت؛ فأنت والله الذي لا يعتاض السلطان منك أبدا، وأخوك محمد بن إبراهيم؛ وأين مثل محمد؟! وأنا فاصطنعت الأفشين؛ فقد رأيت إلى ما صار أمره، وأشناس؛ ففشل أيه! وإيتاخ؛ فلا شيء، ووصيف؛ فلا مغنى فيه! فقال إسحاق: أجيب يا أمير المؤمنين على أمان من غضب؟ قال: قل. قال إسحاق: يا أمير المؤمنين، نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها، واستعمل أمير المؤمنين فروعا لم تنجب، إذ لا أصول لها! قال: يا إسحاق لمقاساة ما مر بي في طول هذه المدة أسهل علي من هذا الجواب.

7

وكره أهل بغداد مجيئهم إذ كانوا شؤما عليهم في حلهم وترحالهم، فلما أقاموا بينهم كانت خيولهم تصيب الضعفاء والمرضى، ولما رحلوا عنهم إلى القاطول

8

ثم سامرا أثر ذلك أثرا سيئا في بغداد من حيث تجارتها وحضارتها، فقال بعضهم في ذلك يعير المعتصم:

أيا ساكن القاطول بين الجرامقة

تركت ببغداد الكباش البطارقة

وأخذ المحدثون يضعون الأحاديث في ذم الترك تعبيرا عن شعورهم وشعور الناس، فرووا أن النبي

صلى الله عليه وسلم

قال: «الترك أول من يسلب أمتي ما خولوا.» وعن ابن عباس أنه قال: «ليكونن الملك - أو قال الخلافة - في ولدي حتى يغلب على عزهم الحمر الوجوه، الذين كأن وجوههم المجان المطرقة.» وعن أبي هريرة أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يجيء قوم عراض الوجوه صغار الأعين، فطس الأنوف، حتى يربطوا خيولهم بشاطئ دجلة.»

9

زاد نفوذ الأتراك شيئا فشيئا، بكثرة ما كان يرد على عاصمة الخلافة من بلادهم، وبما أبدوا من بسالة في حروبهم، وبما تزاوجوا وتناسلوا، وبتأييد الخلفاء لهم؛ فالواثق بعد المعتصم «استخلف سنة 228ه على السلطنة أشناس التركي، وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجا مجوهرا. وأظنه أول خليفة استخلف سلطانا، فإن الترك إنما كثروا في أيام أبيه».

10

وفي أيامه نكل قواد الأتراك بكثير من الأعراب في مواضع مختلفة من جزيرة العرب، فمرة حول «المدينة»، ومرة باليمامة، وكان على رأس الجيش بغا الكبير التركي. واحتقر الأعراب أول أمرهم هؤلاء الترك وقالوا لمن استنجد بهم: ما هؤلاء العبيد والعلوج؟ تقاتلنا بهم؟! والله لنرينك العبر!» ولكن هؤلاء العبيد والعلوج انتصروا عليهم، وكان بغا يحضر الواحد من أسرى بني نمير ويضربه ما بين الأربعمائة إلى الخمسمائة وأقل من ذلك وأكثر. وعاد بغا ومعه الأسرى من قبائل مختلفة من العرب،

11

ولهذه الحادثة وأمثالها أثر في ضعف نفسية العرب أمام الترك.

وكان مما فعله المعتصم متمما لاعتماده على الأتراك أن كتب إلى واليه على مصر كيدر، واسمه نصر بن عبد الله، يأمره بإسقاط من في الديوان من العرب

ظهر الإسلام · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٤