تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى الجملة فالحياة المالية مضطربة أشد الاضطراب، فمع سوء التوزيع والاختلاف الشديد بين درجة الغنى والفقر، والبذخ وشدة الحجة، نرى عدم الطمأنينة على المال من عدم احترام الملكية؛ وذلك بسبب شهوات الحكام وطمعهم فيما في أيدي الناس؛ فالوزير إذا عزل صادر أمواله من يخلفه، والتاجر الكبير الثري عرضة لمصادرة الوالي له طمعا في ماله، والغني إذا مات كانت أمواله عرضة للسلب والنهب، إما بادعاء أن ليس له ورثة معروفون ووضع العقبات في سبيل إثبات الوراثة، أو المجابهة بالمصادرة من غير ذلك أسباب. فالإخشيد في مصر كان إذا توفي قائد من قواده أو كاتب من كتابه تعرض لورثته، وأخذ منهم وصادرهم، وكذلك كان يفعل مع التجار المياسير.

والوزير المهلبي لما مات قبض معز الدلة تركته وصادر عياله، وكذلك فعل بابن العميد، وهكذا. ثم إن اضطراب الحالة المالية وعدم أمن الناس على أموالهم ينتج حتما عدم انتظام الدخل والخرج فتسوء حالة الدولة، فيعالجونها بفرض الضرائب القاسية، والإمعان في المصادرات والنهب لكثرة ما يطلب من نفقات الجيوش وأمثالها، فيكون ذلك علاجا يضاعف المرض، وهو ما حدث فعلا، وكلما ساءت الحال كثر العزل والتولية، وقرب إلى الخلفاء والسلاطين من ضمن تعادل الميزانية، وإنما يضمن ذلك بالعسف الذي يئول إلى الخراب.

كان الناس طبقات مختلفة: طبقة تعتز بشرفها نسبها ودمها، من ذلك العلويون والعباسيون، وكلاهما معتز بالقرابة لرسول الله

صلى الله عليه وسلم ؛ فالأولون يعتزون بالنسبة لأولاد علي من فاطمة؛ والآخرون للعباس، وبينهما حزازات غالبا.

ويفخر الأولون بأنهم أقرب نسبا ويعتز الآخرون بالخلافة في أيديهم؛ وكان ذلك كله - على كل حال - مصدرا للاعتزاز ومبعثا لتقدير الناس، وكانت تجرى عليهم أرزاق خاصة، وتسند إليهم بعض المناصب الرفيعة كنقابة الأشراف.

ومن المعتزين بالنسب من كان يعتز بأصله من أنه من البيوتات القديمة، كأولاد المهلب بن أبي صفرة الأمير الأموي الكبير، وكانت لهم في هذا العصر العباسي دور بالبصرة، وتولى الوزارة منهم لعضد الدولة البويهي الوزير المهلبي، وسيأتي ذكره، وكأولاد البنويين وهم أبناء الخراسانيين الذي حاربوا لإسناد الدولة إلى بني العباس، ومنهم من كان يعتز بنسبه الفارسي إلى بيت من بيوت الملك أو البيوتات العظيمة في الفرس كآل بويه، وقد يكون من هذه الطبقة الأغنياء، وقد يكون منهم من أخنى عليه الدهر بعد العز، فكان فقيرا يكتفي بالاعتزاز بالنسب.

وهناك طبقة تعتز بمناصب الدولة كالوزراء ورؤساء الدواوين ونحو ذلك، ويعتز بذلك أسرهم وأقاربهم، وهؤلاء في هذا العهد كان اعتزازهم وقتيا، فيكونون في القمة حينا، ثم لا يلبثون أن يكونوا في الحضيض حينا آخر لكثرة ما يعرض لهم من عزل ومصادرة أموال وقتل وتشريد، ثم طبقة الأغنياء من الإرث والتجارة والأعمال، وقد كانوا نسبيا عددا محدودا.

وهؤلاء المعتزون بالمنصب يعيشون في ترف مفرط، وهم الذين نعثر في كتب الأدب والتاريخ على وصف بذخهم وترفهم وإسرافهم، ولكنهم لا يمثلون الشعب، ويتبعهم الأوساط يقلدونهم على قدر استطاعتهم، ويطمحون إلى أن يحذوا حذوهم ما أمكنهم دخلهم.

وبجانب ذلك اعتزاز بالعلم أو الدين، ولكنه اعتزاز في أوساط خاصة؛ فالعلماء يعتز بهم أمثالهم وتلاميذهم ووسطهم المحدود، وهم يتعزون عن فقرهم بهذا الاعتزاز الأدبي. ورجال الدين من الصوفية والوعاظ والفقهاء كذلك يعتزون في أوساطهم الخاصة، وعند العامة الذين يلتمسون منهم البركة. ثم سائر الشعب بعد ذلك فقير لا يعتز بمال ولا نسب ولا جاه، ويصفهم ابن الفقيه بأنهم «زبد جفاء، وسيل غثاء، لكع ولكاع، وربيطة اتضاع، هم أحدهم طعامه ونومه».

وليسوا كما قال، بل هم عماد الأمة وسوادها الأعظم، ومقياس الرقي الحقيقي لها، وما ذنبهم أن همهم طعامهم ونومهم وهم يجدون ثم لا يجدون! لقد كان التوازن الاجتماعي في هذا العصر مختلا من الناحية المالية، فلا تقارب، وما نجده من وصف الإمعان في الحضارة والإسراف في الترف والتفنن في النعيم، إنما هو وصف فئة قليلة العدد، وهي قد أسرفت في الترف على حساب إمعان السواد الأعظم في البؤس، وفي الناحية الخلقية انحلال بين الأغنياء، وتكبر وتجبر من الساسة وأولي الأمر، وذلة وضعة في الفقراء البائسين، وما يروى لنا من عزة وإباء، وتمسك بالحق وبالفضيلة، فصفات الأقلين النادرين. (1-3) الرقيق

ظهر الإسلام · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٤٧