تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الخطيب التبريزي كان له نسخة من كتاب «التهذيب في اللغة» للأزهري في عدة مجلدات أراد تحقيق ما فيها، وسماعها على عالم باللغة، فدل على أبي العلاء المعري، فجعل الكتاب في مخلاة وحملها على كتفه من تبريز إلى معرة النعمان، ولم يكن له من المال ما يستأجر به ما يركبه، فنفذ العرق من ظهره إليها فأثر فيها البلل، ومن شعره:

فمن يسأم من الأسفار يوما

فإني قد سئمت من المقام

أقمنا بالعراق على رجال

لئام ينتمون إلى لئام

وحكى لنا أبو حيان التوحيدي حادثة انتحار فظيعة فقال: «شاهدنا في هذه الأيام شيخا من أهل العلم ساءت حاله، وضاق رزقه، واشتد نفور الناس عنه، ومقت معارفه له، فلما توالى عليه هذا دخل يوما منزله، ومد حبلا إلى سقف البيت واختنق به، فلما عرفنا حاله جزعنا وتوجعنا وتناقلنا حديثه وتصرفنا فيه كل متصرف.»

وأخذ أبو حيان وأصحابه يتجادلون في أن له الحق في الانتحار أو لا.

36

هذا شأن العلماء، وعامة الشعب كانوا أسوأ حالا؛ ذلك لأن النظام المالي للدولة كان نظاما سيئا، فنفقات البلاد قد بلغت حدا لا يطاق من الإسراف والبذخ وصنوف الترف، وجباية الخراج وسائر الضرائب تباع لأشخاص على سبيل الالتزام، فيعسفون بالناس حتى يبتزوا منهم أضعاف ما دفعوا، والقضاء قد اختل بتدخل الحكام وانتشار الرشوة، والجيش قد انقسم إلى شعب مختلفة من ترك وديلم ومغاربة وغيرهم، وكل فرقة تتعصب لجنسها، وتضمر العداء لغيرها، والسلطة مضطرة لإنفاق المال الكثير لاسترضاء هؤلاء وهؤلاء، والمناصب الحكومية ليست في استقرار؛ فاليوم يولى وزير، وغدا يصادر، ولكل وزير أعوانه يحظون بتوليته ويعسف بهم بعزله، وغير الوزراء شأنهم أهون.

كل هذا سبب فساد النظام المالي، واستتبع فقر الشعب واضطرابه وكثرة ثوراته.

وظاهرة أخرى نراها في الفنون، وهي أنها كانت لا تنمو إلا في بلاط الخلفاء والأمراء، فلم يكن الشاهر يشعر لنفسه إلا قليلا، ولا الفنان يتفنن لنفسه إلا نادرا، فكلهم يقصد خليفة أو أميرا يعرض عليه سلعته من شعر أو فن؛ ولذلك تلون الشعر والنثر والفن بلون الاستجداء كثيرا؛ لأن العصر لم يكن عصرا ديمقراطيا يستطيع فيه أن يعيش الفنان لنفسه أو للشعب، كما هو الشأن في العصور الحديثة، بل كان عصرا أرستقراطيا لا ينعم فيه إلا الأرستقراطيون ومن شاء أن يعيش على موائدهم، بل من شاءوا هم أن يؤكلوه من موائدهم؛ ولذلك إذا أحصيت الأدب الذي قيل في المديح، رجحت كفته جدا على الأدب الذي قيل لباعث نفساني.

وكذلك العلماء كانوا قسمين: قسما يتصل بالخلفاء والأمراء أو يشتغلون في مناصب الدولة كالخطابة والقضاء، وهؤلاء ميسورون نسبيا؛ ولذلك نرى كثيرا من تآليف العلماء في هذا العصر إنما ألفت بأمر وزير أو أمير أو نحوه، وصدره باسمه، ونوه فيه بذكره، وأما من بعدوا عن القصور فكانوا فقراء غالبا لا يكادون يجدون ما يسد رمقهم كما رأينا.

نشأ عن هذه الحالة الاجتماعية مظاهر متعددة: ترف لا حد له في بيوت الخلفاء والأمراء وذوي المناصب، وفقر لا حد له في عامة الشعب والعلماء والأدباء الذين لم يتصلوا بالأغنياء، ثم المظاهر التي تنتج عادة من الإفراط في الترف كالتفنن في اللذائذ والاستهتار والنعومة وفساد النفس، وكل المظاهر التي تنشأ عن الفقر كالحقد والحسد والكذب والخبث والخديعة. وكان من أثر هذا الفقر أيضا انتشار نزعة التصوف، فالفشل في الحياة قد يسلم صاحبه إلى الزهد، وإقناع النفس بأن نعيم الدنيا زائل، وإذا حرم الدنيا فليطلب الآخرة. كما كان من آثاره انتشار الدجل والتخريف، وتعلق الناس بالأسباب الموهومة في الحصول على الغنى لعجزهم عن تحصيله بالوسائل المعقولة؛ فتنجيم واعتقاد في الطوالع التي تسعد وتشقي، وانصراف إلى الكيمياء التي تقلب النحاس والقصدير ذهبا، والالتجاء إلى دعوات الأولياء لعل دعوتهم تتحقق فينقلب فقرهم غنى، وهذا إلى الاعتقاد في السحر والطلسمات، والبحث عن الكنوز المخبوءة، ونحو ذلك.

ظهر الإسلام · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٤٦