كثر الرقيق في هذا العصر كثرة بالغة، وامتلأت القصور به، وكان له أثر كبير في الحياة الاجتماعية، فكثر نسل الجواري واختلطت الدماء حتى الخلفاء أنفسهم كانوا في هذا العصر من نسل السراري، قال ابن حزم في «نقط العروس»: «لم يل الخلافة في الصدر الأول من أمه أمة حاشا يزيد وإبراهيم ابني الوليد، ولا وليها من بني العباس من أمه حرة حاشا السفاح والمهدي والأمين، ولم يلها من بنى أمية بالأندلس من أمه حرة أصلا.»
وكثر تعليم الجواري الغناء، واتخذ أصحابهن لهن بيوتا معدة للسماع في الأحياء المختلفة، وكثرت هذه البيوت في بغداد في هذا العصر، حتى قال أبو حيان التوحيدي: «وقد أحصينا - ونحن جماعة في الكرخ - أربعمائة وستين جارية في الجانبين - جانبي بغداد - ومائة وعشرين حرة، وخمسة وتسعين من الصبيان البدور، يجمعون بين الحذف والحسن والظرف والعشرة، هذا سوى من كنا لا نظفر به ولا نصل إليه لعزته وحرسه ورقبائه، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء وبالضرب إلا إذا نشط في وقت، أو ثمل في حال، أو خلع العذار في هوى قد حالفه وأضناه.»
37
وهذه المحال العامة للمغنيات كان يتردد عليها الناس للسماع، ولم يتحرج منها حتى العلماء والأدباء والقضاة والأعيان والصوفية، فابن فهم الصوفي يسمع مغنية اسمها «نهاية» جارية ابن المغني، وابن غيلان التاجر يسمع غناء «بلور» جارية ابن اليزيدي، وأبو الحسن الجراحي القاضي يسمع غناء «شعلة»، وأبو سليمان المنطقي الفيلسوف الكبير وشيخ أبي حيان يسمع غناء صبي موصلي فتن الناس في عصره، وهكذا.
والظاهر من قولهم أن محال الغناء كان منها المتهتك الذي يناسب المعربدين، ومنها المتحفظ بعض الشيء الذي يناسب المتحفظين.
وما روي لنا يدل على أن الغناء في هذا العصر كان بالشعر العربي السهل القريب المعنى السائغ اللفظ والوزن؛ فقد روي أن قنوة البصرية كانت تغني مثلا:
يا ليتني أحيا بقربهمو
فإذا فقدتهم انقضى عمري
و«سندس» تغني:
مجلس صبين عميدين
ليسا من الحب بخلوين
قد صيروا روحيهما واحدا
واقتسماه بين جسمين
تنازعا كأسا على لذة
قد مزجاها بين دمعين
الكأس لا تحسن إلا إذا
أدرتها بين محبين
و«درة» تغني:
لست أنسى تلك الزيادة لما
طرقتنا وأقبلت تتثنى
طرقت «ظبية» الرصافة ليلا
فهي أحلى من جس عودا وغنى
كم ليال بتنا نلذ ونلهو
ونسقى شرابنا ونغنى
هجرتنا فما إليها سبيل
غير أنا نقول كانت وكنا!
وإذا بلغت: «كانت وكنا» زلزلت الأرض «فرأيت الجيب مشقوقا والدمع منهملا، ومكتوم السر باديا».
و«علوة» تغني في «درب السلق» ببغداد:
بالورد في وجنتيك! من لطمك
ومن سقاك المدام، لم ظلمك
خلاك لا تستفيق من سكر
توسع شتما وجفوة خدمك
معقرب الصدغ! قد ثملت فما
يمنع من لثم عاشقيك فمك
أظل من حيرة ومن دهش
أقول لما رأيت مبتسمك
بالله يا أقحوان مضحكة
على قضيب العقيق من نظمك؟
و«روعة» جارية ابن الرضى تغني في الرصافة:
وحق محل ذكرك من لساني
وقلبي حين أخلو بالأماني
لقد أصبحت أغبط كل عين
تعانيها فتسعد بالعيان
وهكذا شعر سهل ومعان قريبة كلها تدور حول العشق والغرام والهجر والوصال.
وكانوا في هذه المجالس يطربون طربا صاخبا، فمنهم من يشق إزاره، ومن يضرب بنفسه الأرض، ومن يحملق عينيه، ومن يستغيث، ومن يحوقل
38 ... إلخ، وكانت هذه البيوت تسمى «بيوت القيان»، والقينة في اللغة: الأمة مغنية كانت أو غير مغنية، ولكنها في العرف لا تطلق إلا على الأمة المغنية.
ومن هؤلاء القيان من كن يتاجرن بالعشق والغناء، فيوقعن في أحبالهن الشبان الموسرين حتى يستنزفن مالهم ثم يلفظنهم. وقد وصف واصف هذه الحالة أدق وصف فقال: «إن القينة منهن إذا رأت في مجلس فتى له غنى وكثرة مال ويسار وحسن حال مالت إليه لتخدعه ... ومنحته نظرها وأشارت إليه بكفها، وغمزته بطرفها، وغنت على كاساته، ومالت إلى مرضاته، حتى توقع المسكين في حبالها، وتحويه بلطف تملقها، وتستعين بالمكر والخداع، ثم ترسل إليه من يخبره عن سهرها وقلقها، وتعبث إليه بخاتمها، وخصلة من شعرها، وكتاب قد نمقته بظرفها، ونقطت عليه قطرات من دمعها، وختمته بالغالية والعنبر ... حتى إذا حوت عقله، وسلبت قلبه، أخذت في طلب الهدايا من ثياب وحلي، وشكت من غير ألم؛ لتتوالى عليها هداياه، حتى إذا نفد اليسار، وتلق المال، وأحست بالإفلاس أظهرت الملل، وأعلنت البدل، وتبرمت بكلامه، وضجرت بسلامه، وأخذت في الجفاء والعتاب، وصرفت عنها هواه، ومالت إلى سواه.»