14
ومن عباراته: «يا من هو عزاء النفس في ساعة الغم والحزن، يا من فيه غناء الروح عند مرارة الفقر والعوز، يا من نحوه أولي وجهي في عبادتي لما يطوف بي منه من طائف لا يلحقه الخيال، وغيبة العقل لو أني حييت ملكا لا يبلى، أو أن كنزا خفيا فتح لي من كل ما في الوجود، لسجدت لك روحي، ووضعت وجهي في الثرى، وصحت قائلا: ليس لي مراد غير حبك، هلم هلم إنك غير واجد صديقا مثلي، وأين بمثلي حبيب في جميع الوجود، هلم هلم، ولا تقضي العمر في حيرة، فليس لمالك سوق غير ذاك، كأنك واد مقفر ماحل، وكأنني مطر، بل كأنك بلد الخراب، وكأنني بناء، لولا عبادة الإنسان إياي ما أحس للسعادة طعما، فإن العبادة مطلع شمس السعادة.»
15
خاتمة
استعرضنا في هذا الكتاب استعراضا بسيطا للمعتزلة في عصرهم الثاني، وما تعرضوا له من مسائل، وكيف زال سلطانهم بعد أن حكموا البلاد سنين، وكيف أن الأشاعرة اكتسحوهم. ورأينا أن الأشاعرة أنفسهم كانوا متأثرين لدرجة كبيرة بالمسائل التي أثارها المعتزلة، وأن الحرب بين الأشاعرة والمعتزلة بدأت عنيفة، ثم كان النصر للأشاعرة، وظل كذلك إلى اليوم.
وربما كان من ملاحظاتنا أن أكثر البحوث من المعتزلة والأشاعرة كان فيما وراء الطبيعة، والبحث فيما وراء الطبيعة قل أن يسلم إلى نتيجة ... فكيف ندرك أن صفات الله غير ذاته، أو هي ذاته، ونحن لا ندرك ذلك من أنفسنا التي بين جنوبنا، وكيف ندرك الفروق الدقيقة بين علم الله وقدرته وإرادته؟ فهذه كلها مسائل بحثت عند أرسطو وقبل أرسطو، ثم بحثت بعد ذلك في الإسلام والنصرانية واليهودية، وهي هي لم تتقدم كثيرا، من أجل ذلك ثار الغزالي، وفخر الدين الرازي في علم الكلام، وطلبوا تجنيبه العوام.
ثم رأينا تعاليم الشيعة، وكيف دافعوا عنها بقوة، وكيف أن كثيرا منهم ضحوا بأنفسهم في سبيلها، وكانوا يخرجون على العباسيين فيقتلون أو يسجنون، وكيف أن التشيع تطور، فبدأ بأحقية علي في الخلافة هو وأولاده، ثم بدأ على يد جعفر الصادق يأخذ شكل تقديس الأئمة، ثم عرضت فكرة الاختفاء والغيبة، وتبعها المهدي المنتظر، وما كان لذلك من آثار كبيرة في تاريخ المسلمين.
وأخيرا عرضنا للصوفية، وهي منحى جديد غير منحى المتكلمين، فإذا كان اعتماد المتكلمين على المنطق والعقل، فاعتماد المتصوفة على الذوق والقلب، وإذا كانت نتيجة الاعتماد على المنطق والعقل هو الإيمان بالبرهان المنطقي، فالاعتماد على الذوق والقلب نتيجته الكشف.
وقد كانت كل هذه الحركات قوية عنيفة تتدافع ولا تتهادن، وتتقابل ولا تتسالم، فمؤرخو الإسلام لا يقتصرون على تسجيل الوقائع الحربية، وإنما يضيفون إليها الوقائع الاعتقادية والطائفية، وإذا نحن صفينا الحساب كما يفعل التجار عند انتهاء مرحلة كبيرة من مراحل تجارتهم ليعرفوا ماذا كسبوا وماذا خسروا، رأينا أننا كسبنا حركة العقول، وتمرينها على البحث، وكسبنا المران على الجدل كما كسبنا من وراء هذا الجدل وضوح المسائل المتجادل فيها، بعد أن تناولها كل من جهته، وكسبنا تربية كثير من العلماء في هذه الأجواء من النشاط، ولكننا خسرنا الحب والألفة بما ذاع من الإحن والبغضاء بين الطوائف المختلفة حتى بلغت حد القتل الكثير، وخسرنا قوى كانت تنفع لو تجمعت، فلما تفرقت فنيت.
وهذه القوى لو كانت وجهت وجهة خير لأنتجت نتاجا باهرا، فلما وجهت وجهة شر ضاعت، وأظن أن ما خسرناه أكثر مما كسبناه، وليس أدل على ذلك من حال المسلمين اليوم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ملحق المرجئة والخوارج
أوضحنا في الجزء الثالث من ضحى الإسلام مذهب المرجئة والخوارج، ولم يكن لهما كبير خطر بعد عصرهما الأول، إلا أن ابن حزم عقد في كتابه «الفصل في الملل والنحل» فصلا سماه «شنع المرجئة »، والذي يقرؤه يرى أن المرجئة من أوسع المذاهب صدرا، لا تسرع إلى التكفير، عكس الخوارج الذين يكفرون كل من عداهم.