يقول ابن حزم: إن المرجئة طائفتان: طائفة تقول: إن الإيمان قول باللسان، وأخرى تقول: بأن الإيمان عمل قلبي، وإن أعلن الكفر بلسانه، وإن عبد الأوثان، وإن لزم اليهودية والنصرانية، فهو مؤمن كامل الإيمان عن الله، يستحق دخول الجنة ... وقالت طائفة منهم: من آمن بالله وكفر بالنبي
صلى الله عليه وسلم
فهو مؤمن كافر معا، ليس مؤمنا على الإطلاق، ولا كافرا على الإطلاق. وقال مقاتل بن سليمان، وكان من كبار المرجئة: لا يضر مع الإيمان سيئة جلت أو قلت، ولا ينفع مع الشرك حسنة أصلا، ومن أجل توسعهم في الإيمان قالوا: إن الإمام إذا أخطأ لم تزل إمامته، وتجب طاعته، وتجوز الصلاة وراءه، ولم نعلم في التاريخ قيام حكومة كان شعارها الإرجاء.
أما الخوارج، فقد مرت تعاليمهم من قبل، ومر الكلام على بعض حروبهم وآدابهم،
16
ونقول هنا: إن الإباضيين منهم، وقد كانت لهم حكومة في شمال إفريقيا، وقد قامت ثورتهم في حكم مروان بن محمد بزعامة عبد الله بن يحيى طالب الحق، وأبي حمزة. وقد خضعت أيضا حضر موت لسلطان الخوارج، وقد شبت ثورة في عمان، فقمعها حازم بن خزيمة.
وعلى الجملة، فقد حكمت عمان، وجزء من شمال إفريقيا بالإباضية، ولها مذاهب فكرية في العقائد والشرائع تخالف تعاليم الشيعة والسنة، وقد اختلفوا أيضا فيما بينهم، وخاصة في شمال إفريقيا إلى فرق. ولقد حكمت أسرة إباضية تنتسب إلى رستمية في تاهرت أكثر من مائة وثلاثين عاما، إلى أن أزالتهم الدولة الفاطمية. ولما سقطت تاهرت في أيدي الفاطميين تفرق شمل الإباضيين في صحراء تونس والجزائر، وفي جربا، ولا يزالون فيها إلى اليوم.
ولهم كتب في الفقه والحديث على مذهبهم، ويعتقدون أنهم وحدهم الفرقة الناجية، وليس بضروري أن يكون الإمام من قريش، بل يكفي أن يكون صالحا ورعا، وأن يحكم طبقا للقرآن والسنة، ولن يرى الله في الجنة، والثواب والعقاب في الآخرة أبديان، والله يغفر الصغائر، أما الكبائر فلا تمحوها إلا التوبة.
وقد اشتهر إباضيو الجزائر بالمحافظة على الفضائل الخلقية، وهم ولا يختلطون بأهل السنة كثيرا؛ وإنما يختلط بهم بعضهم مع بعض.
17
وعلى الجملة، فلم يكن لهم خطر كبير في التاريخ بعد العصر العباسي الثاني.
| هوامش