تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويروي المقبلي صاحب العلم الشامخ أن ابن خلدون يقول بإيمان المتصوفة الأولين، وبتكفير الصوفية المتأخرين، ويرى إحراق كتبهم لما فيها من الضلال.

هؤلاء أهم الطاعنين عليهم، أما المؤيدون لهم فكثيرون، وكان هجوم الفقهاء سببا في قتل صلاح الدين السهرودي كما قتل الحلاج، ولكن نجا ابن عربي، وابن الفارض من القتل؛ فيظهر أن السياسة كانت تستغل أقوال الفقهاء لقتل خصومهم، فإذا رضيت السياسة عنهم حمتهم ولم تقتلهم. (5-3) الشعراني

وزاد بعد ذلك سيل التصوف في العالم الإسلامي، ومن أشهر من جاء بعدهما الشعراني، ولكنه كان صوفيا مدروشا، وقد اختصر «الفتوحات المكية» لابن عربي في كتاب سماه «لوافح الأنوار القدسية المنتقاة من الفتوحات المكية»، ثم اختصر هذا المختصر، وسماه «الكبريت الأحمر من علوم الشيخ الأكبر»، وكان أيضا لوجوده في ذلك العصر ضجة كبيرة من مؤيدين له، وناقمين عليه، ولأنه حمل على العلماء حملة شديدة، ولكي ينجو بنفسه أمر بإطاعة الولاة والقوانين، مع أنه كان يؤمن بظلم الحكام ويشعر بالظلم الذي يقع على الفلاح فيقول: «كان الفلاح عند موته يترك شيئا من الدراهم لأولاده، ولكنه الآن لا يستطيع إلى ذلك سبيلا، بل هو يبيع الحاصلات والبقرة والثوب لتسديد ما عليه من الضرائب، وإذا لم يسدد ضرب وسجن»، ويقول: «إنا لا نقتني الأراضي ولا الممتلكات؛ لأن ما يدفع عليها من الضرائب يفوق ثمنها وما تنتجه». ومن هجمات العلماء عليه كان لا يخرج كتابا إلا إذا رضي عنه العلماء وأقروه، كما حكى ذلك عن نفسه، وبذل مجهودا كبيرا في التوفيق بين عقائد أهل الكشف، وعقائد أهل الفكر، ودافع عن ابن عربي كثيرا، وأول أقواله التي ظاهرها الكفر والإلحاد.

وانقلبت بعد ذلك الصوفية إلى دروشة، ومعنى درويش في الفارسية: الفقير المسكين. وانحط التصوف كثيرا حتى قال بعضهم: كان التصوف حالا فصار مالا، وكان احتسابا فصار اكتسابا، وكان استتارا، فصار اشتهارا، وكان اتباعا للسلف فصار ابتياعا للعلف، وكان عمارة للصدور فصار عمارة للغرور، وكان تعففا فصار تكلفا، وكان تخلقا فصار تملقا، وكان سقما، فصار لقما، وكان قناعة، فصار فجاعة، وكان تجريدا، فصار ثريدا»، وكثرت التكايا والزوايا والطرق، وفيها كان الشيوخ لهم سلطة كبيرة على المريدين، يأمرونهم أن يكونوا كالريشة في مهب الريح، وكان لكل نوع من هذه الطوائف أذكار وأوراد، وامتزجت هذه الطرق بالشعوذة والاحتيال. (5-4) جلال الدين الرومي

وهنا لا بد من كلمة عن مولانا جلال الدين الرومي، فإنه ذو أثر عظيم في التصوف الفارسي، وهو صاحب كتاب «المثنوي» الذي قال فيه الصوفي الكبير عبد الرحمن الجامي: «إن كنت عالما بالمعرفة فدع اللفظ، واقصد المعنى. إن المثنوي هو القرآن في اللسان الفارسي، وماذا أقول في وصف هذا العظيم؟ لم يكن نبيا، ولكنه أوتي الكتاب»، وقد عني المستشرقون بجلال الدين وشعره، ونقلوه إلى لغاتهم.

وقد كان جلال الدين معلما دينيا، ولكنه قابل الصوفي الكبير تبريزي، فأثر فيه، وقطعه للتصوف.

والمثنوي منظومة صوفية فلسفية عظيمة، تحوي 25700 بيت، وهو قوي البيان، فياض الخيال، بارع التصوير، حتى لينظم القصة القصيرة في مئات الأبيات. وقلبه مفعم بالعشق الإلهي، مستغرق فيه كقوله: «أفكر في القافية، وحبيبي يقول: لا تفكر إلا في رؤيتي، ما الحق فتفكر فيه، إنه الشوق في جدار البستان، إني أمحق القول والحق والصوت لأناجيك بغير هذه الثلاث.»

ويقص أحيانا قصة، ويجعلها مدار كلامه وتصوفه، كقصة الأسد والوحوش، وهي من قصص كليلة ودمنة، ولكن جلال الدين الرومي أخذها فتصرف فيها، وتوسل بها في عرض آرائه، كقوله: «رأى الأسد نفسه في عتو، فلم يعرف نفسه من العدو، حسب العدو صورة نفسه، فسل سيفه على رأسه، كم من ظلم تراه في غيرك، وإنما فيه صورة طبعك، أنت لا ترى في نفسك هذا السوء، وإلا رأيت نفسك المشنوء، إنما تحمل على نفسك أيها الغافل، كما حمل على نفسه الأسد الجاهل، فإذا بلغت قعر طبعك علمت هذه الدناءة في خلقك»، ويقول: «المؤمن مرآة أخيه، خبر عن الرسول نرويه، وضعت على عينك زجاجة زرقاء، فازرقت أمامك الأرض والسماء، إن يكن ازرق زجاج كوتك، ازرق ضوء الشمس في نظرك، لا تعم فهذا اللون منك بدا، فالح نفسك إذا، ولا تلح أحدا ... إلخ.»

ظهر الإسلام · الصفحة ٤١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٤١٢