وفرق كبير بين شاعرية ابن الفارض، وإحساسه بفنائه في محبوبه، واتحاده به وبين فلسفة ابن عربي ومذهبه في أن الله والعالم شيء واحد، فمن الخطأ دعوى أن كليهما يقول بوحدة الوجود، والفرق دقيق بين حلول الحلاج، والحب الإلهي عند ابن الفارض، ووحدة الوجود عند ابن عربي.
على كل حال ملئ جو مصر والشام وغيرهما بالكلام الصوفي، والشعر الصوفي. وطلع عليهم شيء جديد لم يكن في الحسبان، فوقفوا أمامه حيارى: أيصدقون أم يكذبون؟! وهذا التصوف الذي لابن عربي وابن الفارض يحتاج إلى نوع من المزاج الخاص، فمن لم يكن له هذا المزاج، لم يفهمه ولم يتذوقه، بل وربما استنكره، وكذلك كان مؤيدون كل التأييد، ومعارضون كل المعارضة. وكانت إذ ذاك معركة حامية بين المؤيدين والمعارضين، كالمعركة التي كانت في عهد الحلاج،
13
وكان زعيم المعارضين ابن تيمية، فقد رزقه الله بيانا وافيا، وبرهانا قويا، ورأى أن هؤلاء الصوفية أتوا في الدين بشيء جديد ليس من جنس كلام الله ولا رسوله ولا الصحابة، وأنهم قالوا بالاتحاد على أشكال مختلفة، فهاجمهم هجوما عنيفا، وألف في ذلك رسائل؛ فأنكر عليهم الرقص والسماع، ونقدهم كلهم من ابن الفارض، وابن عربي، وابن سبعين، والحلاج، وعفيف الدين التلمساني، وسلط عليهم لسانه وقلمه، ورماهم بالكفر والضلال، وقال: إن ما أتوا به أعظم مما قالته اليهود والنصارى.
ومن أقواله في ذلك: «إن الاتحاد بين الخالق والمخلوق ممتنع؛ لأن الخالق والمخلوق إن اتحدا، فإما أن يكونا بعد الاتحاد اثنين كما كانا قبله، وهذا تعدد وليس باتحاد، وإما أن يستحيلا إلى شيء ثالث، كما يتحد الماء واللبن والنار والحديد، ونحو ذلك من تشبيهات الفرق النصرانية، فيلزم عن ذلك أن يكون الخالق قد استحال، وتبدلت حقيقته كسائر ما يتحد مع غيره، وهذا ممتنع على الله؛ إذ الاستحالة تقتضي عدم ما كان موجودا، والله تعالى واجب للوجود بذاته، وصفاته اللازمة له التي هي كمال، والتي إذا عدمت كان ذلك نقصا، يتنزه الله عنه ...» إلى آخر ما ذكره من البراهين، ومناقشتهم بالعقل، مع أن أقوالهم ناشئة من الشعور، كمناقشة العقل للحب، كالذي يقول:
بني الحب على الجور فلو
أنصف المحبوب فيه لسمج
ليس يستحسن في شرح الهوى
عاشق يحسن تأليف الحجج
وألف ملا علي القاري رسالة في وحدة الوجود، رمى فيها ابن عربي بالزندقة، وقال: إنه كفر بأربع وعشرين دعوة، منها قوله: إن الإنسان من الله بمثابة البؤبؤ من العين، وعلى هذا يكون الله مفتقرا رؤية خلقه، ورؤية نفسه إلى الإنسان، وكذلك قوله: نحن الفرق التي نصف بها الله، فإذا نحن تأملنا في حقيقته كنا في الحقيقة نتأمل في حقيقتنا، والله حين ينظر في شئوننا يكون ناظرا في شئونه، وتاليا قوله: إن الله هو عين المخلوقات، ثم قوله: إن كل الاعتقادات الدينية صحيحة؛ لأن كل طائفة فيها شيء من طبيعة الله
فأينما تولوا فثم وجه الله (البقرة: 115)، وقوله: «إن الأولياء خير من الأنبياء، والولاية هي العنصر الدائم السامي في النبوة، وادعى محيي الدين أنه خاتم الأولياء، كما أن محمدا خاتم الأنبياء ... إلخ.
ومن الطاعنين عليهم ابن حجر العسقلاني، فقد قال حين توفي سنة 852ه في ابن الفارض: «ينعق بالاتحاد الصريح في شعره، وهذه بلية عظيمة، فتدبر نظمه ولا تستعجل .... وما ثم إلا زي الصوفية، وإشارات مجملة، وتحت الزي والعباءة فلسفة وأفاعي، فقد نصحتك والله الموعد.»
وكذلك من الطاعنين عليهم البقاعي المتوفى سنة 858ه وقد ألف كتابين في تكفير ابن عربي وابن الفارض، وهما «تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي»، و«تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد»، وكان شديد الطعن عليهما.
وممن طعن عليهما أيضا عضد الدين الإيجي صاحب المواقف، فقال عن ابن عربي: «إنه كان كذابا حشاشا كأوغاد الأوباش، ولقد تبعه في ذلك ابن الفارض، ولا يخفى على الأقل أن شعره من الخيالات المتناقضة الحاصلة من الحشيش؛ إذ عندهم أن وجود الكائنات هو الله تعالى، فإذا الكل هو الله تعالى، فلا نبي، ولا رسول، ولا مرسل، ولا مرسل إليه».