تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما ابن الفارض فهو عمر الملقب بشرف الدين، وهو حموي الأصل، ولد في القاهرة سنة 576ه/1181م، وتوفي سنة 632ه، ولقب بسلطان العاشقين وكان ميالا إلى العزلة والزهد، وتعود الذهاب كل يوم إلى جبل المقطم، وقد بلغ الغاية في قصائده التي جمعت في ديوانه، وهو أشعر من محيي الدين، وشعره كشعر عصره مملوء بالمحسنات البديعية، والاستعارات، والمجازات، كما تعرض كثيرا للمصطلحات الصوفية من حب وهوى، وشوق وسكر وصحو، ومن أشهر شعره: التائية الكبرى، وهي المسماة «نظم السلوك»، وقد أودع فيها كل مبادئه الصوفية.

وقد عرف عنه أنه يهيم بالجمال حيثما وجده من جمال طبيعة إلى جمال أصوات، ويصاب بالغيبوبة عند رؤيته، فيتواجد ويغيب عن نفسه ويرقص، يحب الخلوة والتقشف، والبعد عن الناس، والزهد في حطام الدنيا.

وقد جمع شعره في ديوان، وقد شرح ديوانه كثير من المتصوفة، فتأثروا بمحيطه، وشرحوه شرحا صوفيا، وقد حلل الأستاذ نيكولسن تائيته الكبرى

11

فقال: «يتكلم ابن الفارض في هذه القصيدة بلسان الصوفي الذي وصل إلى مقام الاتحاد، ويخاطب في أوائلها أحد أصحابه فيذكر عهده الأول بالحب الإلهي، وما عاناه فيه من شدائد وعقبات، ويشرح كيفية سعيه إلى تفريج الهم عن نفسه ببثه ذلك الحب إلى المحبوب:

ولم أحك في حبيبك حالي تبرما

بها لاضطراب بل لتنفيس كربتي

ويحسن إظهار التجلد للعدا

ويقبح غير العجز عند الأحبة

ويمنعني شكواي حسن تصبري

ولو أشك للأعداء ما بي لأشكت

وعقبي اصطباري في هواك حميدة

عليك ولكن عنك غير حميدة

وما حل بي من محنة فهو منحة

وقد سلمت من حل عقد عزيمتي

ثم يشير إلى الآيات القرآنية:

وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم (الأعراف: 172) إلخ ...»، وهي الآية التي يسميها الصوفية آية العهد.

ويقول ابن الفارض: «إنه أخذ ذلك العهد قبل أن تتلبس نفسه بطينة جسده»، ويقول: إن رؤيته المحبوب ليس إلا رؤيته لنفسه، وحبه إياه ليس إلا حبه لنفسه، وإن الحب الخالص ليس إلا الفناء في المحبوب:

حليف غرام أنت لكن بنفسه

وإبقاك وصفا منك بعض أدلتي

فلم تهوني ما لم تكن في فانيا

ولم تفن ما لم تجتلى فيك صورتي

هو الحب إن لم تقض لم تقض مأربا

من الحب فاختر ذاك أو خل خلتي

وهو يصف الفناء بأنه الحال التي تتجرد فيها النفس عن رغباتها وميولها وبواعثها بحيث تتعطل إرادتها وتموت، فإذا ماتت الإرادة أصبحت النفس طوع الإرادة الإلهية:

كلانا مصل واحد ساجد إلى

حقيقته بالجمع في كل سجدة

وما كان لي صلى سواي ولم تكن

صلاتي لغيري في أدا كل ركعة

ويقول: «إن أعلى درجات الصوفي الاتحاد مع الله؛ حيث ينعدم الفرق بين الخالق والمخلوق وفي سكر الفناء يغيب الصوفي عن جميع صفاته وآثاره ... إلخ.»

وقد اتجه شراح التائية الكبرى إلى شرحها حسب نظرية ابن عربي في وحدة الوجود.

ولابن الفارض قصائد أجمل من التائية الكبرى من حيث الفن، مثل قصيدته اليائية الطويلة:

سائق الأظعان يطوي البيد طي

منعما عرج على كثبان طي

وتلطف واجر ذكري عندهم

علهم أن ينظروا عطفا إلي

قل تركت الصب فيكم شبحا

ما له مما براه الشوق في

خافيا عن عائد لاح كما

لاح في برديه بعد النشر طي

كهلال الشك لولا أنه

أن عيني عينه لم تتأي ... إلخ.

12

وفي الديوان أبيات رائعة من الناحية الفنية.

وبعد: فهل كان ابن الفارض وابن عربي على مذهب واحد في مذهب وحدة الوجود، أي أن الله والعالم شيء واحد؟ ذهب كثير إلى ذلك ومنهم بعض المستشرقين، وربما استندوا إلى شيئين: (1)

ما حكاه المقريزي من أن ابن عربي بعث إلى ابن الفارض يطلب منه أن يضع شرحا على التائية الكبرى فقال له: إن كتابك الفتوحات الملكية شرح لها. (2)

أن كل الذين شرحوا التائية أغرقوها بنظريات ابن عربي في وحدة الوجود، ولكن يظهر أن بين ابن عربي وابن الفارض فرقا كبيرا؛ فابن الفارض شاعر متصوف، يسمو في حبه إلى أن يفنى في محبوبه وهو الله، فلا يرى في الوجود ولا نفسه شيئا غير الله. وكما قال الأستاذ نللينو: «لم يكن ابن الفارض فيلسوفا من فلاسفة وحدة الوجود، بل كان شاعرا صوفيا، ليست قصيدته التائية الكبرى إلا تعبيرا عن ذوقه الشخصي الذي كان سبيله إلى اتحاد بالذات الإلهية تارة، وبالحقيقة المحمدية تارة أخرى، أما وحدة الوجود عند ابن عربي فوحدة فلسفية، مزج فيها الدين بالفلسفة مزجا غريبا ليس له نظير».

ظهر الإسلام · الصفحة ٤١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٤١٠