إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان (الأحزاب: 72) ... إلخ. وكما خلق الله على صورته خلقت الدنيا على صورة الإنسان، وكان الله قبل أن يخلق الخلق في نفسه، وكانت الموجودات مستهلكة فيه، ولم يكن له ظهور في شيء من الوجود، وفي ذلك يقول في الحديث القدسي: «كنت كنزا مخفيا، فأحببت أن أعرف فبي عرفوني».
ويقول: «لما أراد الله إيجاد هذا العالم نظر إلى حقيقة الحقائق، وإن شئت قلت: إلى الياقوتة البيضاء التي هي أصل الوجود بنظر الكمال، فذابت، وذهبت ماء، ثم نظر إليها بنظر العظمة؛ فتموجت كما تموج الأرياح في البحار، فانفهقت كثائفها بعضها في بعض، كما ينفهق الزبد من البحر، فخلق الله من ذلك المنفهق سبع طباق الأرض، ثم خلق سكان كل طبقة من جنس أرضها، ثم صعدت لطائف ذلك الماء كما يصعد البخار من البحار، ففتقها الله سبع سموات، وخلق ملائكة كل سماء من جنسها، ثم صير الله ذلك الماء سبعة أبحر محيطة بالعالم، فهذا أصل الوجود جميعه».
9
فأسلوب الكتاب - كما ترى - عويص غامض لا يستطيع أن يفهمه الإنسان بعقله.
وللجيلاني هذا قصيدة تسمى «النوادر العينية في البوادر الغيبية»، ضمنها نظرية الإنسان الكامل في خمسمائة وأربعة وثلاثين بيتا منها:
تجلى حبيبي في مرائي جماله
ففي كل مرأى للحبيب طلائع
فلما تبدى حسنه متنوعا
تسمى بأسماء فهن مطالع
ومنها:
تجليت في الأشياء حين خلقتها
فها هي ميطت عنك فيها البراقع
ومنها:
فلا تشك محجوبا برؤية حسنه
من الذات أنت الذات أنت المجامع
فعينك شاهدها بمحتد أصلها
فإن عليها للجمال لوامع ... إلخ.
10
وقد لعبت نظرية الإنسان الكامل هذه، والحقيقة المحمدية، والروح المحمدية دورا كبيرا في التصوف. (5-2) ابن العربي وابن الفارض
أولهما: محيي الدين محمد بن علي، يلقب أحيانا بالحاتمي، ويكنى بابن العربي، وأهل المشرق يكنونه ابن عربي للتفرقة بينه وبين أبي بكر بن العربي، وأما في الأندلس فيكنونه ابن العربي، وقد ولد سنة 560ه في مرسيه، وتعلم أول تعلمه في إشبيلية، ثم ارتحل إلى المشرق حاجا، ولم يعد بعدها إلى الأندلس. وأقام في الحجاز مدة طويلة، ثم دخل مصر ورحل إلى بغداد والموصل وبلاد الروم، وكان ذلك في عهد الحروب الصليبية، وأثر عنه أنه كان يحرض المسلمين على الجهاد.
وقد ألف في التصوف تآليف كثيرة من شعر ونثر، من أشهرها «الفتوحات المكية»، و«فصوص الحكم»، و«ترجمان الأشواق»، ولقب عند كثير من الناس بلقب «الشيخ الأكبر»، وقد أودع في كتابه «الفتوحات المكية» أكثر نظراته التصوفية، وقسمه إلى ستة فصول، أولها في المعرفة، وثانيها في المعاملات، وثالثها في الأحوال، ورابعها في المنازل، والخامس في المغازلات، وآخرها المقامات، وكان يقول: إن ما يكتبه يأتي إليه بطريق الوحي في حالة الغيبوبة والمجاهدة.
ومن الغريب أنه كان على مذهب الظاهرية في الفقه، وكتاباته من أعمق الباطنية في التصوف، وقد قال: إن هذه الموجودات مكونة من صورة وروح، وعنده أن الصورة هي التي سماها أرسطو «مادة»، والروح ما سماها أرسطو «صورة». وأعلى هذه المقامات أو الصور هو الإنسان لما أودع فيه من القوى التي تتجلى فيها صفات الله وأسماؤه، فهو كالمرآة تنعكس عنها حقيقة الله وذاته، وله أقوال كثيرة في المواجيد والفناء.
ويروى عن ابن عربي أنه وقع يوما عن حماره، فرضت رجله، فجاءوا ليعالجوه، فقال: أمهلوني، فأمهلوه يسيرا، ثم أذن لهم فعالجوه، فقيل له في ذلك فقال: راجعت كتاب الله تعالى فوجدت خبر هذه الحادثة في صورة الفاتحة. ومن ذلك ترى ما للصوفية من تصورات عجيبة ، وخيالات بعيدة، ومثل ذلك: استخراج بعضهم من الفاتحة أيضا أسماء سلاطين آل عثمان، وأحوالهم، ومدة سلطتهم، إلى ما شاء الله تعالى من الزمان.