ربما كان التصوف هو الفرع الوحيد الذي نما بعد سقوط بغداد أكثر مما كان قبلها. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن التصوف لا يحتاج إلى عقل كبير، وبحث كثير، بل هو بالقلب والشعور أعلق، ولذلك كانت دائرته أوسع، ولأن الناس فقدوا الدنيا، فتطلعوا إلى الآخرة، ويئسوا من العدالة الاجتماعية في الأرض؛ فأملوها في السماء، ولم يجرءوا أن يثوروا في وجوه الحكام يطالبونهم بتحقيق العدل، فقنعوا بالسلامة، وضعفت عقولهم عن تمييز الحق من الباطل، وملئوها بالخرافات والأوهام. ولم تتجرد طبيعتهم من حب اللهو؛ فأدخلوه في التصوف، فكان فيه الغناء والموسيقى، والرقص وألعاب البهلوان، وعجزوا عن ربط المسببات بالأسباب؛ فهرعوا إلى المتصوفة يمنحونهم البركة، ويستقضون منهم حوائجهم، ويقرعون بهم أبواب السماء، فامتلأت البلاد بأرباب الطرق، ومشايخ الصوفية، ومدعي الولاية. وعلى الجملة، فكان في الحياة الصوفية ما يرضي النفوس ويطمئنها ويسليها.
ثم كان أن منحت البلاد متصوفين كبارا جمعوا بين القدرة التصوفية، والملكة الأدبية، فغزوا الناس بتصوفهم وشعرهم أمثال ابن عربي، وابن الفارض في اللغة العربية، وجلال الدين الرومي في اللغة الفارسية. (5-1) فكرة الإنسان الكامل
رأينا في هذه العصور أنه يكثر الكلام في الحقيقة المحمدية، وتصويرها صورة غريبة حقا، وهي بعيدة جدا عن الصفة التي يصفه بها القرآن، والتي يصفه بها الصحابة، وكبار التابعين، فالقرآن يصف النبي بأنه بشر تجري عليه كل صفات البشر، فهو يعبس ويتولى أن جاءه الأعمى، وهو مخلوق تجري عليه أحكام الموت، إلى آخر الأوصاف؛ فجاء التصوف فغير هذه الصورة، فقالوا بأزلية الوجود المحمدي، وقالوا: إن أول شيء خلقه الله هو الروح المحمدي، أو النور المحمدي الذي ظهر بصورة آدم، وفي صورة الأنبياء بعد ذلك، ثم استمر يظهر بعد ذلك في علي وأبنائه كما يقول الشيعة، والصوفية يقولون: إن النور المحمدي هو الروح الإلهي الذي نفخ الله منه في آدم. ويقولون: إن الحقيقة المحمدية هي مبدأ الحياة، ومركزها في العالم، وهي بهذا المعنى روح كل شيء وحياته، وهي الواسطة بين الله وعباده، والمنبع الذي يفيض منه على العارفين معرفتهم بالله إلخ ... وسموا محمدا بهذا المعنى «الإنسان الكامل»،
8
وقد ألف في ذلك عبد الكريم الجيلي أو الجيلاني كتابا سماه «الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر»، قال في مقدمته: «لما كان كمال الإنسان في العلم بالله، وفضله على جنسه بقدر ما اكتسب من فحواه، ألفت كتابا باهر التحقيق، ظاهر الإتقان والتدقيق. وقد كنت أسست الكتاب على الكشف الصريح، وأيدت مسائله بالخير الصحيح»، ثم يقول: إنه مزقه بعد ما كتبه، ثم أمره الحق إبرازه ففعل، إلى آخر ما قاله.
ومن كلامه يتبين أن الإنسان الكامل الذي هو روح محمد كائن في الأنبياء من آدم إلى محمد، وفي الأولياء والصالحين.
ويقول: «إن الإنسان الكامل هذا هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود أبد الآبدين، واسمه الأصلي محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبد الله، ولقبه شمس الدين، وله في كل زمان اسم يليق به ويقول: «إن الإنسان الكامل مقابل لجميع الحقائق الوجودية، فيقابل الحقائق العلوية بلطافته، والسفلية بكثافته، وأول ما يبدو له في الحقائق الخلفية هو العرش، ويراه بقلبه، ثم يقابل الكرسي فسدرة المنتهى، ثم يقابل العلم الأعلى بعقله، واللوح المحفوظ بنفسه، والعناصر بطبعه، والهيولى بقابليته.
والإنسان الكامل نسخة من الله كما قال رسول الله: «خلق الله آدم على صورته.» والإنسان الكامل أيضا مرآة الحق؛ لأن الحق أوجب على نفسه ألا ترى أسماؤه وصفاته إلا في الإنسان الكامل، وهو معنى قوله تعالى: