ومما يجب أن نشير إليه أن علماء الدين كانوا في تلك العصور: عصر المماليك، وعصر العثمانيين، موضع إجلال واحترام من الشعب؛ لأنهم كانوا واسطة بين الشعب والسلاطين، حتى كان العلماء، وخاصة الفقهاء كأنهم ملوك غير متوجين، نضرب لذلك مثلا: العز بن عبد السلام في مصر؛ فقد كان فقيها ممتازا، وكان مسموع الكلمة، ورعا تقيا، شجاعا قويا، سليط اللسان، لقب سلطان العلماء، وقد جاء إلى القاهرة من الشام في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب، فولاه خطابة جامع عمرو بن العاص في مصر والقضاء، وله مواقف رائعة، من ذلك: أنه طلع إلى القلعة في يوم عيد فشاهد العسكر مصطفين، وشاهد السلطان وما فيه من الأبهة، وقد خرج على قومه في زينته على عادة سلاطين مصر، وأخذت الأمراء تقبل الأرض بين يدي السلطان، فالتفت الشيخ العز إلى السلطان وناداه: يا أيوب! ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك ملك مصر، ثم تبيح الخمور؟ فقال السلطان: هل جرى هذا؟ فقال: نعم، الحانة الفلانية تباع فيها الخمور، وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة؛ يناديه كذلك بأعلى صوته، والعساكر واقفون، فقال: يا سيدي، هذا ما عملته أنا، إنما كان من أبي، ورسم السلطان بإبطال تلك الحانات،
7
وقد سئل في ذلك فقال: إني رأيته في تلك العظمة، فرأيت أن أهينه لئلا تكبر عليه نفسه فتؤذيه. وله مواقف كثيرة من هذا القبيل، حتى إنه لما مات قال السلطان: إني لم أشعر بلذة الملك إلا لما مات العز.
ومثل ذلك مواقف لابن دقيق العيد والنووي، فهؤلاء كانت شهرتهم في قولهم الحق، وتمسكهم به، وعدم خشيتهم من الملوك اعتمادا على تعلق الشعب بهم، إنما كانوا في الفقه مجتهدي مذهب أو مذهبين، لا مجتهدين مطلقين. ولما تقدم الزمن أصبحنا لا نرى مجتهدا مطلقا، ولا مجتهد مذهب، وكل همهم الأخذ من الكتب، وترجيح ما رجحوه. ومما أصيب به الفقه اتجاه العلماء إلى المختصرات، فكل عالم يرى أن يختصر ما قبله، ومن الغريب أن عالما يأتي فيختصر، ثم يأتي عالم آخر فيشرح ما اختصره، حتى تكون لنا من ذلك ما هو أطول من المطولات.
ولم نكسب من ذلك إلا المجهود الضائع، وكل يوم يمر يزداد الحال سوءا وركودا.
يقول ابن خلدون: «ذهب كثير من المتأخرين إلى اختصار الطرق، والإنحاء في العلوم، يولعون بها ... وحشوا القليل منها بالمعاني الكثيرة، وصار ذلك مخلا بالبلاغة، وعسرا على الفهم، وربما عمدوا إلى الكتب الأمهات المطولة في الفنون فاختصروها تقريبا للحفظ، كما فعل ابن الحاجب في الفقه، وابن مالك في النحو، وهو فساد في التعليم، وفيه إخلال بالتحصيل، وذلك لأن فيه تلخيصا على المبتدئ، بإلقاء الغايات من العلم عليه، وهو لم يستعد لقبولها بعد، ثم فيه مع ذلك شغل كبير على المتعلم بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم بتزاحم المعاني عليها، وصعوبة استخراج المسائل من بينها؛ لأن ألفاظ المختصرات صعبة عويصة، ينقطع فهمها حظ صالح من الوقت، ثم بعد ذلك فالملكة الحاصلة من التعليم على تلك المختصرات ملكة قاصرة عن الملكات التي تحصل من الموضوعات البسيطة. (4) رابعا: التاريخ
الحق أن المتأخرين لم يهملوا التاريخ، بل أتموا السلسلة التي بدأها أسلافهم، حتى لم يخل عصر من العصور من مؤرخين يؤرخون حاضرهم، ويربطونه بماضيهم، ونوعوا التاريخ كما نوعه من قبلهم من تراجم رجال إلى تاريخ مدن، إلى تاريخ الدول خاصة، إلى تاريخ عام.
فمن مؤرخي التراجم ابن خلكان، وهو من أوائل المؤلفين في هذه العصور، ترجم فيه للمشهورين من رجال العلم والأدب، والصناعة والمال غير الصحابة والخلفاء، واجتهد في تحري الحقائق بعين نافذة، في لغة سليمة بسيطة، متوقيا قدر الإمكان ألفاظ الفجور، وقد احتوى نحو 826 ترجمة، وعني أشد العناية بتحقيق سنة وفاة كل مترجم، ومن أجل ذلك سمى كتابه «وفيات الأعيان»، وربما ترك مشهورا من مشاهير رجال العلم والأدب؛ لأنه لم يتحقق من تاريخ وفاته، وربما كان كتابه على هذا النحو أول كتاب من نوعه. وقد مات ابن خلكان سنة 681ه، وقد ذيل هذا الكتاب ابن شاكر الكتبي المتوفى سنة 764ه، ترجم فيه لبعض من تركه ابن خلكان، وزاد فيه من جاء بعده إلى عصره، وسماه: «فوات الوفيات».