وقد اتهمه رجال عصره كثيرا بأنه يأخذ من تآليف غيره، ويحورها، وينسبها إلى نفسه، حتى لقد تنازع هو والقسطلاني على كتاب «المواهب اللدنية» لأيهما هو، وكل يدعيه، وأخيرا نحاه السلطان طومان باي من منصبه لكثرة أعدائه، وادعائهم كثرة سرقاته.
نعم، إن حركة التأليف كانت قوية في عصر المماليك، والعصر العثماني، حتى ليعجزنا حصر ما ألف في ذلك العصر، ولكنها قوية من حيث العدد لا من حيث القيمة، فلا تكاد تستطيع أن تعد كثيرا من أمثال مقدمة ابن خلدون. (2-2) النحو والصرف
وأما النحو والصرف، فقد استمرا على النحو الذي وضعه سيبويه في الكتاب، وجرى على الأصول المألوفة في ذلك الزمان، وكل ما رأينا هو شرح لغامض، أو اختصار لمطول.
أما الأسس التي بني عليها النحو، مثل بنائه على العامل، فلم يتغير منه شيء. نعم، حاول ابن مضاء الأندلسي أن يغير ذلك، ولكنه هدم ولم يبن.
4
وجاء في هذا العصر الذي نتحدث عنه علمان كبيران في النحو هما ابن مالك وابن هشام، فابن مالك أكثر تعقيد القواعد وتنظيمها، وجمع متفرقها على أساس سيبويه.
5
وأما ابن هشام، فكما قال عنه ابن خلدون: إنه «استوفى أحكام الإعراب مجمله ومفصله، وتكلم عن الحروف والمفردات، والجمل، وحذف ما في الصناعة - صناعة النحو - من المتكرر في أكثر أبوابها ... وأشار إلى نكت إعراب القرآن كلها، وضبطها بأبواب وفصول وقواعد انتظمت سائرها، فوقفنا منه على علم جم، يشهد بعلو قدره في هذه الصناعة، ووفور بضاعته منها»، وهو كابن مالك منظم لا مجدد. (3) ثالثا: الفقه
وأما الفقه، فقد نبغ كثير من الفقهاء في كل مذهب، ولكن نلاحظ أن الاجتهاد الذي أقفل بابه، ظلت فيه بقايا ينتفع بها بعض الفقهاء، فيروي مثلا عن بعض الفقهاء أنه كانت لهم أحكام في بعض مسائل اجتهدوا فيها حسب الكتاب والسنة، وخرجوا فيها عن المذاهب الأربعة، وما زال يضيق شيئا فشيئا بتوالي الزمان حتى سد الباب سدا محكما، ولم يبق إلا أن يقلد كل الكبار من مشايخ مذهبه.
إنا نرى مثلا أن ابن تيمية قال بعدم جواز التوسل بالميت ولو نبيا، وإن الطلاق الثلاث في لفظ واحد يقع طلقة واحدة، على غير ما يقول أتباع المذاهب.
وقد قال النووي: «إن المجتهد المطلق لم يوجد منذ القرن الرابع، وكان الفقهاء مجتهدين اجتهادا مقيدا، أي أن لهم ملكة يستنبطون بها المسائل من الكتاب والسنة، والإجماع والقياس، ولكنهم مقيدون بقواعد مذهب إمامهم، واستمر هذا إلى القرن الخامس، ومن أمثال هؤلاء العلماء اللخمي والمازري،
6
ومحيي الدين بن عربي، وابن رشد، والقاضي عياض، وإن كان الأخير من علماء القرن السادس، ثم ضعف الاجتهاد بعض الشيء، وأصبح المجتهدون مجتهدي فتوى، أي أنه إذا عرض عليهم أمر كان فيه قولان أو أكثر رجحوا أحد الأقوال حسب حججه كابن الحاجب. وهذه الطبقة انتهت أواسط القرن السابع، ولم يبق بعدها إلا المقلدون تقليدا محضا، فلا يستطيعون أن يأخذوا بكتاب أو سنة، بل يأخذون بأقوال المتقدمين، وبعض الفقهاء كان يفتي لأهل مذهبين فأكثر، كابن دقيق العيد، فكان متمكنا من مذهب مالك والشافعي، يفتي كل من يريد الفتوى على مذهبه من مالكي وشافعي.
ثم إن المقلدين حجروا على الفكر والفتيا، وقالوا: لم يبق في الأرض عالم منذ العصور المتقدمة، وليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة، وأبي يوسف، وزفر، ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة، ولا مالك والشافعي وأصحابهم، وقالوا: لا يحل لأحد بعد هؤلاء الأئمة أن يستنبط الأحكام من كتاب الله، ولا من سنة رسوله، وأحالوا أن يوجد مجتهد يستطيع استنباط الأحكام من الكتاب والسنة.
لم يدع من مضى للذي غبر
فضل علم سوى أخذه بالأثر
وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون، مع أن الأحاديث جمعت، وتحصيل العلوم سهل، وأقوال من تقدم عرضت، فأصبح الاجتهاد اليوم أيسر مما كان، ولكنها النفوس صغرت، والهمم اضمحلت، وربما كان اليمن بحكم مذهبه الزيدي أكثر تسامحا في الاجتهاد، حتى إن الإمام الشوكاني اليمني ادعى لنفسه الاجتهاد المستقل، وقاومه بعض أهل اليمن، وقالوا: إنه خرق الإجماع؛ فتألب الزيدية عليه، وقيل: إنهم عادوا فسلموا له، وأذعنوا لما رأوا من علمه. (3-1) منزلة علماء الدين