وكما تطور النثر بعبد الحميد الكاتب تطورا جديدا، عماده الإطناب، وبسط الأسلوب، وتطور عند الجاحظ بجعله كل شيء موضوعا للأدب، تطور على يد ابن خلدون بجعله مسائل الاجتماع موضوعا للأدب.
وأهم ما اشتهر به مقدمته، وهي في الفلسفة، والتاريخ، والاجتماع،
3
من أهم ما فيها كلامه عن طبيعة العمران، وقد تكلم فيه فيما يعرض له من بدو وحضر، وكسب ومعاش، وصنائع وعلوم، وأثر الهواء في أخلاق البشر، وأن أجيال البدو والحضر طبيعية، وأن البدو أقدم من الحضر، وأن الأمم الوحشية أقدر على التغلب مما سواها، وأن من عوائق المدن حصول الترف، والانغماس في النعيم، وأنه إذا كانت الأمة وحشية كان ملكها أوسع، وأن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب ... إلخ.
وتكلم في العلوم وأصنافها، والتعليم وطرقه، وقد نقده بعضهم بأنه لم يطبق نظرياته التي وسعها في مقدمته على كتابه التاريخ، فهو فيه لم يحقق التحقيق الذي طالب به. وعلى كل حال، فقد نحا منحى جديدا لم نعرف أنه سبق إليه.
ومما يمتاز به التزامه المنطق في كلامه، فهو يذكر النظرية، ثم يأخذ في شرحها، ثم يأخذ في التدليل عليها، حتى كأنها نظرية هندسية.
ومن المؤسف أن الشرق انطوى على نفسه، ولم يعد له صلة بالعالم الغربي منذ انتهاء القرون الصليبية، وقد بدأ العالم الغربي يستعد للنهضة، ولكن لم تدر ماذا كان يصنع، ولو درينا لأسسنا نحن أيضا نهضة جديدة.
والحركات العلمية والأدبية عادة إنما تنهض بدخول عناصر جديدة فيها، تشع الحياة كما حدث في عهد الأمويين، إذ دخلت عناصر جديدة على الأدب العربي، وعلى العالم العربي فحيي من جديد، وكما حدث في عهد العباسيين إذ تسربت إلى العلم العربي، والأدب العربي الثقافات الهندية والفارسية واليونانية فنشط من جديد، بل وكما حدث في عصرنا هذا؛ إذ تسربت الثقافات الأجنبية إلى العلم والأدب العربيين، فاتجها اتجاها جديدا، فلما حرم الشرق من اطلاعه على الآداب الأجنبية، والعلوم الأجنبية أصابه الركود، وظل راكدا عصورا طويلة إلى أن أتاه المدد في النهضة الحديثة. (2) ثانيا: اللغة، والنحو والصرف (2-1) اللغة
أما اللغة، فكان عمل المتأخرين فيها ليس إلا جمعا لمن سبقهم، أو اختصارا في التعبير، أما جديدا فلا، وأشهر معاجم اللغة التي ألفت في هذا العصر كتاب «لسان العرب» لابن منظور، وقد ألفه في عشرين مجلدا، جمع فيه كتاب التهذيب للأزهري، والمحكم لابن سيده، والصحاح للجوهري، والجمهرة لابن دريد، والنهاية لابن الأثير. وقد قال في مقدمته: «وإني لم أقصد سوى حفظ هذه اللغة العربية، وضبط فضلها؛ إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية. وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنا مردودا، وصار النطق بالعربية من المعايب معدودا ...» وهو من غير شك عمل ضخم، وجمع لمادة كان يصعب جمعها، وهو كتاب أدب بجانب أنه كتاب لغة؛ لما يشتمل عليه من نصوص وافية، ولكن إذا نحن نظرنا فيه إلى الابتكار، لم نجده.
وكذلك فعل صاحب القاموس المحيط وهو مجد الدين الفيروزآبادي، وقد ولد بكازرون إحدى بلاد فارس، وتعلم في واسط وبغداد ودمشق، ورحل إلى مصر، ثم إلى آسيا الصغرى، ولقي تيمورلنك في شيراز، ثم رحل إلى اليمن، فتلقاه سلطانها بالقبول، وعينه قاضي القضاة حتى مات.
ولقي كتابه القاموس شهرة كبيرة حتى سمى الناس كل كتاب في اللغة «قاموسا»، وهي شهرة أكثر مما يستحق؛ إذ كل ميزته اختصاره الشديد المخل، ومحاولته التمييز بين الواوي واليائي، ونصه على صيغة المؤنث، وما عدا ذلك لا شيء.
وربما عد السيوطي أكبر مظهر للخصائص التي ذكرناها، فهو مؤلف كثير التأليف، كثير الجمع، قليل الابتكار، ألف في التفسير، والحديث، واللغة، والفقه، والنحو، والمعاني والبيان والبديع، حتى لقد عد من تأليفه ثلاثمائة كتاب.