تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تباع له القلوب بحبتين

فقال الصفدي:

بروحي خده المحمر أضحت

عليه شامة شرط المحبه

كأن الحسن يعشقه قديما

فنقطعه بدينار وحبه

فقال ابن نباتة: لا إله إلا الله، سرق الصلاح من الحبتين حبة.

وممن اشتهر بالشعر البوصيري، وسبب اشتهاره بالشعر مدائحه النبوية، كالبردة والهمزية، وقد اشتهرت البردة، وأعجب بها الناس حتى أصبحت نموذجا في المدائح النبوية، والهمزية التي مطلعها:

كيف ترقى رقيك الأنبياء

يا سماء ما طاولتها سماء

والناظر في شعره يرى أنه في المدائح النبوية أرقى مما له من غيرها من قصائد لجلال موضوعها، وسمو روحها، وشبوب عواطفه فيها، أما غيرها من الشعر فخفيف فاتر.

ومع هذا، فقد كانت حالة الشعر في أيام المماليك خيرا منها في العهد العثماني، كأن الانحطاط في الشعر والأدب حدث على درجات. (1-3) القصص والنثر

ومن ضروب الأدب في ذلك العصر القصص، وربما كان القصص الشعبي أحسن حظا؛ لأنه وجد استجابة له من الشعب، ومن آثار ذلك ما حدث من الزيادات على ألف ليلة وليلة في عهد الحروب الصليبية والمماليك، كقصة معروف وزوجته فاطمة، فإن حوادثها تدل على أنها وضعت أخيرا، وكقصة أبي قير وأبي صير، فإنها من أحدث ما كتب، وبعض القصص تظهر فيها خصائص اللغة العامية الشامية، والبعض تظهر فيها خصائص المصرية. ومثل ذلك قصة عنترة، وقد ظلت تتداول على الألسنة عهدا طويلا، وقد ألفها القصاص في أزمنة مختلفة، بعضها ألف في عهد الخليفة الفاطمي العزيز بالله، وبعضها ألف في القرن السادس الهجري. وألف ليلة وليلة وقصة عنترة أوسع خيالا من مقامات الحريري، وأدخل في باب الفن، وإن لم تكن مثلها في البلاغة. وسيرة عنترة من أكبر القصص العربية، وينقصها جودة الحبكة، حتى إنك لو حذفت جزءا منها ما شعرت بالخلل، كما ينقصها جودة الخيال، فخيالاتها ليست قوية، ومؤلفها قصير النفس، كثير الانتقال، لا يسير في خطة إلا تحول عنها، وشرع في غيرها، فإن قلنا: إن العرب لم يحسنوا القصص الطويل كما أحسنوا الحكايات القصيرة، والمقامات، والأحاديث، كأحاديث ابن دريد التي رواها القالي في الأمالي، لم نبعد عن الصواب.

وأما النثر، فقد انقسم في هذا العصر إلى قسمين: نثر رسمي، كالكتب التي تخرج من الدواوين، وكان لذلك ديوان خاص اسمه ديوان الإنشاء، يرأسه أكبر من عرف بالأدب، ويختار رئيسه ممن عرف بالسياسة وبالأدب معا؛ لاحتياجه إليهما، وقد تولى هذا المنصب فخر الدين بن لقمان، ثم محيي الدين بن عبد الظاهر، ثم ابنه فتح الدين، وعلاء الدين بن الأثير، وشهاب الدين الحلي، وابن فضل الله العمري، والقلقشندي؛ وقد وردت من هؤلاء مكاتيب كثيرة عدت نموذجا، وتحروا فيها الدقة في الألقاب، والمحافظة على الأسلوب، وهي مملوءة بالسجع، وأنواع البديع كما وصفنا من قبل.

والنوع الثاني: ما يسمى بالإخوانيات، كمكاتبة الأصحاب للأصحاب في الثناء والاستهداء، أو الإهداء، ونحو ذلك، وكلها قد استوت مع الشعر في الإغراق في البديع، لا ينقصها في ذلك إلا الوزن، حتى في تقديم الغزل أول الموضوعات، وقد اشتهر في ذلك كثيرون، ومن خير الأمثلة على ذلك كتاب «نسيم الصبا» لبدر الدين الحلبي، وهو فصول نحو الثلاثين في أصل الطبيعة والأخلاق والأدب وفصول العام إلخ. وهو مظهر من مظاهر النثر الفني في ذلك العصر. (1-4) ابن خلدون

ولا نريد أن نطيل في ترجمة الناثرين من هذا القبيل، وإنما نقف وقفة عند سيد هؤلاء الأدباء وهو ابن خلدون، وقد يعد عجيبا أن نعده أديبا كبيرا، ومن قبلنا لمن يعدوه في هذا الباب، وإنما عدوه مؤلفا اجتماعيا. ونحن نعده أديبا كبيرا أيضا؛ لأنه نموذج للأدب الذي نرتضيه، غزارة في المعنى، وبساطة في الأسلوب، وأسلوبه من النوع الذي يعدونه في البلاغة مساواة، لا إيجاز ولا إطناب، فالعبارة على قدر المعنى.

ظهر الإسلام · الصفحة ٤٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٤٠٣