تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أمثلة شعره الذي يتلاعب فيه بالبديع ما قاله في التضحية:

وحق الهوى ما حلت يوما عن الهوى

ولكنه نجمي في المحبة قد هوى

ومن كنت أرجو وصله، قتلي نوى

وأضنى فؤادي بالقطحية والنوى •••

ليس في الهوى عجب

إن أصابني نصب «حامل الهوى تعب

يستخفه الطرب»

والبيت الأخير لأبي نواس ضمنه صفي الدين الحلي. وترى الإمعان في الجناس بين الهوى والهوى، ونوى والنوى.

ويرد أحيانا في شعره بعض تعبيرات تكاد تكون عامية، كقوله في المفاضلة بين الورد والزنبق:

فامتعض الزنبق من قوله

وقال للأزهار يا رفقتي

يكون هذا الجيش بي محدقا

ويضحك الورد على شيبتي

فالمناداة بيا رفقتي، ويضحك الورد على شيبتي، تعبيرات تكاد تكون عامية، وفي الغالب يكون قد أخذها من القاهرة لما أقام بها، وربما عد من خير تجديدات صرخته في الذين يستعملون الألفاظ الغريبة، يقصدون إليها، ويتباهون باستعمالها فيقول:

إنما الحيزبون والدردبيس

والطخا والنقاخ العلطبيس

لغة تنفر المسامع منها

جين تروى وتشمئز النفوس

وقبيح أن يذكر النافر الوح

شي منها ويترك المأنوس

أين قولي هذا كئيب قديم

ومقالي عقنقل قدموس

خل للأصمعي جوب الفيافي

في نشاف

2

تخف فيه الرءوس

إنما هذه القلوب حديد

ولذيذ الألفاظ مغناطيس

فهو يدعو إلى هجرة الألفاظ الوحشية، واستعمال المأنوس من الألفاظ، ولئن جاز للأصمعي الإغراب، فلا يجوز لمن أتى بعده في عصر مختلف كل الاختلاف إلا الإيضاح، وهي دعوة صحيحة تقيد بها، واستعملها غالبا.

ومما ابتكره صفي الدين إنشاء بديعية في مدح الرسول

صلى الله عليه وسلم

ضمنها كل أنواع البديع المعروفة في زمنه، ومطلعها:

إن جئت سلما فسل عن جيرة العلم

وأقر السلام على عرب بذي سلم

وجعل في كل بيت نوعا من أنواع البديع، ثم أنشأ معاصره ابن نباتة مثله بديعته التي مطالعها:

صحا القلب لولا نسمة تتخطر

ولمعة برق بالفضا تتسعر

وجاء عز الدين الموصلي بعد ذلك سنة 789ه؛ فزاد على ذلك أن جعل البيت من القصيدة يحمل اسم النوع البديعي، وأولها:

براعة تستهل الدمع في العلم

عبارة عن نداء المفرد العلم

وتبعه ابن حجة الحموي سنة 837ه؛ فأنشأ بديعيته على هذا المنوال، ومطلعها:

لي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم

براعة تستهل الدمع في العلم

وهكذا تدفق الشعراء في هذا الباب؛ لأنه ناسب دروشة الشعر. (1-2) شعر للتسلية

ووجد شعراء بعد ذلك قالوا في المعاني التي سبقهم بها الشعراء، وأكثروا من المقطعات التي تصف الأشياء العارضة كسقوط مئذنة، وقتل زنديق، ووصف سجادة، ووصف سبحة. وتوالى على ذلك الشعراء أمثال الشاب الظريف، وسراج الدين الوراق، وابن الوردي، وغيرهم. وكان الذي يهمهم في ذلك النكتة كالتي نسمعها اليوم وكلما وفق الشاعر إلى النكتة أكثر كان بالشعر أشهر، مثل:

لقد أصبحت ذا عمر عجيب

أقضي فيه بالإنكار وقتي

من أولاد خمس حول أم

فواقرباه من خمس وست

ومثل:

تركت المال والجاها

لأهل القدر والقدره

فحسبي من حمى كسره

وحسبي من غنى كسره

ومثل:

وكنت أخا سعدى فأصبحت عمها

فهيهات لي جد بتقبيل خالها ... إلخ.

وكثر اتهام الشعراء بعضهم لبعض بالسرقات، وأكثروا فيها الكلام، ويعجبني في ذلك قول محيي الدين بن تميم:

أطالع كل ديوان أراه

ولم أزجر عن التضمين طيري

أضمن كل بيت فيه معنى

فشعري نصفه من شعر غيري

وأظن أن قوله بالنصف يحابي فيه نفسه.

ومن ظريف ما حدث في ذلك أن صلاح الدين الصفدي الشاعر بالشام لما أغار على معاني جمال الدين بن نباتة في مصر، ولم يترك له معنى إلا أخذه، اضطر ابن نباتة أن يؤلف كتابا يجمع فيه هذه السرقات سماه «خبز الشعير»، واستهله بقوله:

رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا (نوح : 28)، ومما ورد في هذا الكتاب من أمثلة السرقة قول ابن نباتة:

بروحي طيب الأنفاس ألمي

ملئ الحسن حالي الوجنتين

له خالان في دينار خد

ظهر الإسلام · الصفحة ٤٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٤٠٢