تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن من ناحية أخرى كان المماليك لا يتعصبون للغة أجنبية؛ إذ كانوا من مقاطعات مختلفة، ذوات لغات مختلفة، واضطروا إلى أن يتعلموا العربية كسبا للرأي العام، كما اضطروا إلى أن يقربوا العلماء؛ لأن العلماء كانوا هم الواسطة بين الشعب والسلاطين، ولكن كانت لغتهم التي كانوا يتكلمون بها هي اللغة العامية لا العربية الفصحى؛ لصعوبة الفصحى، وعدم تداولها إلا بين العلماء؛ ولهذا فشا في هذا العصر أدب اللغة العامية من قصص عامي وزجل، والظاهر أنه لما هاجر الفارون إلى مصر من عراقيين وشاميين وأندلسيين هضمتهم مصر، وأثرت فيهم أكثر مما أثروا فيها، وهي مزية كبيرة معروفة لمصر، حتى إنها لتهضم الفاتحين، وربما زاد الحال سوءا استيلاء العثمانيين على مصر بعد المماليك في سنة 923ه، فقد تقهقرت العلوم والآداب تقهقرا فظيعا بسبب أمور: (1)

أخذ الكتاب والعلماء والصناع، وإرسالهم إلى القسطنطينية، وكان ذلك زبدة الحضارة الإسلامية المصرية. (2)

إحلال اللغة التركية في الدواوين الرسمية محل اللغة العربية. (3)

تحويل مصر إلى ولاية عثمانية بعد أن كانت سلطنة مستقلة، وتبع ذلك أن الولاة الذين كانوا يعينون من قبل السلطان العثماني كانوا يعينون إلى أمد، ويجتهدون في هذه الفترة أن يقتنوا لا أن يعدلوا وأن ينهبوا لا أن يهبوا، يضاف إلى ذلك ما عرف عنهم من التعصب والتعاظم.

كل هذا أثر في الحركة العلمية، وفي الأدب على وجه الخصوص أثرا سيئا حتى لقد قل أن نجد نتاجا يتذوق.

ونجد الأدب منذ عهد الدولة الأيوبية، وقبله أدبا يغرق في السجع والزينة البديعية على نمط مدرسة العماد الأصفهاني، وابن العميد، وابن عباد، والقاضي الفاضل.

والسبب في ذلك أن المقصد الذي كان يقصده الأدباء من أدبهم هو الملوك والأمراء، وهؤلاء إنما تقدم لهم في الماديات الطرف الجميلة الصنع، المزخرفة والمزركشة، والمملوءة باللآلئ، فكان لزاما أن يكون الأدب على هذا النحو، فبدل اللآلئ المحسنات البديعية، وبدل الزركشة السجع، ولم يكن الشعب ذا قيمة ولا مال حتى يتجه إليه الأدباء، ولو اتجهوا إليه لكان سهلا بسيطا مجردا من الزينة.

ثم قد يظن ظان أن الكتابة الأدبية المسجوعة والمحلاة بالبديع أصعب من الكتابة الفنية المرسلة غير المحلاة، وهذا خطأ محض؛ فالواقع أن الذي يلجئ إلى السجع والبديع الفقر في المعنى، فإذا عدم الأديب المعنى الغزير عوض الأديب عن ذلك اللعب البهلواني الخارجي، ولكن لو وجد معنى غزير لكفى هذا المعنى بغزارته أن يكون جميلا متى عبر عنه تعبيرا مرسلا فيه جمال البساطة، ألا ترى أن الحسناء يكفيها في الجمال أي حلية ولو بسيطة، بل يغنيها جمالها عن كل حلية، وأن القبيحة تحاول محاولة كبيرة أن تخفي قبحها بالغلو في زينتها، وهيهات مع ذلك أن تساوي الجميلة من غير حلية. وفي رأيي أن ابن خلدون الكاتب المرسل غير المتأنق أبلغ من القاضي الفاضل، والسبب في ذلك أنه وجد معنى غزيرا، فعبر عنه تعبيرا بسيطا، والقاضي الفاضل لم يجد معنى غزيرا فهوش بالسجع والبديع. (1-1) صفي الدين الحلي

وقد يكون صفي الدين الحلي أول من يطالعنا في هذا العصر، وفيه مسحة خفيفة من التجديد، وهو عراقي الأصل، اسمه عبد العزيز بن سرايا، ولد بالحلة من مدن الفرات سنة 677ه، وخدم الدولة الأرتقية نسبة إلى أرتق أحد مماليك السلطان ملك شاه السلجوقي، ثم جلبته القاهرة فيمن جلبت، فوصل إليها سنة 726ه في زمن السلطان الملك الناصر ابن قلاوون، ومدحه بقصيدة مطلعها:

أسبلن من فوق النهود ذوائبا

فتركن حبات القلوب ذوائبا

وحتى في هذه القصيدة يقلد أبا الطيب المتنبي في قصيدته التي مطلعها:

تأبى الشموس الجانحات غواربا

اللابسات من الحرير جلاببا

غاية الفرق إمعان صفي الدين في الجناس بين ذوائبا وذوائبا، ومن إمعانه في البديع، مثلا: إنشاؤه قصائد سميت «الأرتقيات» في مدح الملك المنصور بن أرتق صاحب ماردين، وهي تسع وعشرون قصيدة بعدد أحرف الهجاء، يلتزم في كل قصيدة حرفا يبدأ كل بيت به، وينتهي به.

ظهر الإسلام · الصفحة ٤٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٤٠١