تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تأليف الموسوعات

كل هذه الأسباب قد عاقت الحركة العلمية، وأماتت النهضة الثقافية، حتى كان الزمان الذي يسمح بعشرات من فطاحل العلماء في وقت واحد لم يعد يسمح إلا بواحد بعد واحد في عصور متباعدة. وكان من نتيجة ذلك أن انتقلت زعامة الحركة العلمية من العراق إلى مصر؛ لأن مصر قد حماها الله من التخريب التتري، وعاشت عيشة هادئة نسبية، والعلم لا يترعرع إلا في ظل الهدوء والأمان.

وكان من أهم مظاهر سيادة التقليد وعدم الاجتهاد تحول التأليف العلمي لكتب مبتكرة إلى التأليف في الموسوعات؛ لأن طبيعة الموسوعات جمع لمتفرق، وهي تحتاج إلى جد وصبر أكثر مما تحتاج إلى كبر عقل، فرأينا مثلا أبا المظفر الأبيوردي

1

الشاعر المشهور يؤلف كتابا في طبقات العلوم، يفرد لكل علم طبقة، وقد توفي سنة 557ه، ويؤلف علي ابن عقيل البغدادي الحنبلي كتابا في أنواع العلوم في 470 مجلدا. ويقول الرازي: «إنه وقع له منه مائة وخمسون مجلدا»، وألف فخر الدين الرازي المتوفى سنة 606ه كتاب «حدائق الأنوار في حقائق الأسرار» شرح فيه نحو ستين علما.

والذي تبقى لنا من الجهود المصرية من كتب الموسوعات ثلاث موسوعات عظيمة، أولها كتاب «نهاية الأرب» للنويري، الذي ألفه في ثلاثين مجلدا في زمن الملك الناصر محمد بن قلاوون، ورتبه على خمسة فنون: (1)

في السماء والآثار العلوية، والأرض والعالم السفلي، ويشتمل على خمسة أقسام. (2)

في الإنسان، وما يتعلق به، ويشتمل على خمسة أقسام. (3)

في الحيوان الصامت، ويشتمل على خمسة أقسام. (4)

في النبات، ويشتمل على أربعة أقسام، وذيله بقسم خامس في طب النبات. (5)

في التاريخ، ويشتمل على خمسة أقسام، وقد مات النويري سنة 732ه.

وكذلك فعل القلقشندي إذ ألف كتابا سماه «صبح الأعشى» في أربعة عشر جزءا، والقلقشندي هذا نسبة إلى قلقشندة بلدة في مديرية القليوبية، وقد عني فيه بما يحتاج إليه الكتاب، إذ كان هو رئيسا لديوان الكتاب.

وألف ابن فضل الله العمري، وكان معاصرا للنويري موسوعته المسماة «مسالك الأبصار» في التاريخ والجغرافيا والتراجم، يقع في أكثر من عشرين جزءا، ومن نعم الله أن وصلت إلينا هذه الكتب كلها، واستفاد العالم منها، وكانت مصدرا للأدباء والعلماء، وحفظت لنا ثروة كبيرة من آثار الأقدمين.

وكتاب النويري أوسع موضوعا، وكتاب العمري أوسع في الجغرافيا والتاريخ، وكتاب القلقشندي ألصق بالكتابة وأدواتها ولوازمها. هذا إلى موسوعات خاصة، ككتاب «حياة الحيوان» للدميري المتوفى سنة 808ه، يقول في أوله:

هذا كتاب لم يسألني أحد تصنيفه، وإنما دعاني إلى ذلك أنه وقع في بعض الدروس ذكر مالك الحزين، والذبح المنحوس، فحصل بذلك ما يشبه حرب البسوس؛ فاستخرت الله سبحانه في وضع كتاب في هذا الشأن، ورتبته على حروف المعجم.

وقد انتقد الناس تأليفه هذا الكتاب مع أنه فقيه محقق في العلوم الدينية لا في علم الحيوان.

كما ألفوا جمع الأمثال، وتوسعوا في جمعها عما سبقهم، وهكذا، ولو أنهم جاءتهم فكرة ترتيب المسائل على حسب الحروف الأبجدية لكان كل كتاب من هذه الكتب الثلاثة يصح أن يكون دائرة معارف واسعة.

وربما كان من خير الأمثلة على ما نقول ما فعله السكاكي في كتابه «مفتاح العلوم»؛ فقد ركز على جملة علوم ومنها البلاغة، ولخصها من كتب من قبله ككتاب دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، وقد أفقدها في تلخيصه روحها.

ثم تتابع على مفتاح العلوم التلخيص ، وتلخيص التلخيص، حتى صارت على يد سعد الدين التفتازاني حجرا جامدا.

ولعل من الخير أن نذكر ملاحظاتنا على كل فن وحده. (1) أولا: الأدب

ربما كان الأدب والفن على العموم أكثر الأشياء تأثرا بالبيئة، والبيئة المصرية خضعت بعد سقوط بغداد للمماليك، واستمرت تحت حكمهم إلى سنة 932ه، وفي عهد المماليك انتقلت الخلافة أيضا من بغداد إلى القاهرة على يد السلطان بيبرس، وفي عهد المماليك نحي العرب عن السياسة وعن الجندية، فانصرفوا إلى الزراعة والصناعة، وكسب العيش، وجعلت الأمور السياسية والحربية بيد المماليك، وفي هذا من غير شك إضعاف للنفسية العربية، وإسلام لهم إلى الخمود، فكان هذا عاملا كبيرا من عوامل انحطاطهم.

ظهر الإسلام · الصفحة ٤٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٤٠٠