ثالثا:
هجوم التتر على العالم الإسلامي، وكان هجوما مخربا مدمرا من قوم لم ترقهم الحضارة، ولم تهذبهم الثقافة، شداد غلاظ لا يفهمون معنى العاطفة، ولا تلين قلوبهم للرحمة، أحب منظر إليهم الدم ينهار، أو الآثار العظيمة تصبح شعلة من نار، كان بأسهم بينهم، فجمعهم جنكيز خان؛ فأزال خلافهم، ووحد كلمتهم، فاتجهوا نحو الشرق الأقصى يفتحونه، فلما أتموا ذلك هجموا على المملكة الإسلامية فيما وراء النهر، فاستولوا على مملكة «شاه خوارزم»، ثم اكتسحوا بجيوشهم خراسان وفارس، يخربون الحضارات، ويذبحون الناس حتى جاء هولاكو حفيد جنكيز خان، فاتجه إلى الدولة العباسية سنة 654ه، وعرج على قلعة ألموت عش الإسماعيلية التي ذكرناها من قبل ففتحها، وأخذها منهم، وقتل من فيها، ثم استولى على الري، ثم قصد بغداد سنة 655ه، وكان الخلاف فيها فظيعا بين السنية والشيعة، فظن الوزير العلقمي الشيعي أنه يغنم غنما كبيرا للشيعة إذا هو مكن للتتار من الاستيلاء على بغداد، وزلزلة الأرض تحت أرجل الخليفة المستعصم، فلما هجم هولاكو استولى على بغداد، وأباح بغداد أربعين يوما لجنوده، وقتل منها - كما يقول - بعض المؤرخين أكثر من مليون وثمانمائة ألف، وخرب عمرانها، ورمى كتبها في نهر دجلة. وكانت هذه العمارات نتيجة حضارة قرون، والكتب نتيجة ثقافة قرون، والحضارات والعلوم إنما تبنى على ما قبلها، وتؤسس على ما سبقها، وهي كالماء للنبات الغض، فإذا حرم النبات الغض الماء ذبل، وجف بعد قليل، وكذلك كان العلم والحضارة الإسلاميان، هذا فضلا عما أصيبت به الثقافة من نكبات للعلماء، فإن بقي شيء من العلم فقليل يكفي للتقليد، ولا يبعث التجديد. يقول الخميسي: وفي سنة خمس وخمسين وستمائة ثارت فتنة مهولة ببغداد بين السنية والرافضة من الشيعة، أدت إلى نهب عظيم وخراب، وقتل عدة من الرافضة؛ فغضب لها، وتنمر ابن العلقمي الوزير، وجسر التتار على العراق ليشتفي من السنية.
وما كاد العالم الإسلامي يفيق من نكبته، ويسترد بعض قوته حتى جاء تيمورلنك فأكمل ما عصف به أجداده جنكيز خان وهولاكو، واجتاز بقية آسيا الصغرى، وأكثر القتل والتخريب والفساد، وأرعب الناس، وأفسد الشام، وكانت قد استعصت على من قبله، وخربها فيما خرب، وقتل علماءها فيمن قتل، ومات سنة 807ه بعد أن أكمل خنق البلاد.
فهل نعجب بعد ذلك إذا هدأت النهضة، وخمد العقل؟؟
رابعا:
وسبب رابع: هو ما انتشر بين المسلمين من عصبية حادة، مذهبية وطائفية: ففقهاء ضد الصوفية، وصوفية ضد الفقهاء، ومعتزلة ضد السنية، وسنية ضد المعتزلة، وشيعة ضد السنية، وسنية ضد الشيعة، وشافعية ضد الحنفية، وحنابلة ضد غيرهم ممن شرحنا بعضه من قبل. ومن المؤسف أن هذه الخلافات لم تقتصر على الخاصة من العلماء، بل أشركوا فيها العوام، والعوام عادة ضيقو العقل، عديمو التسامح، فكانت البلوى من ذلك كبيرة، والنتيجة فظيعة.
خامسا:
لما رأى العلماء ما حدث بالبلاد من خراب، وللعلم والعلماء من نكبات، ضعفت هممهم بالطبيعة، وانكسرت نفوسهم، فبعد أن كانوا يطمحون إلى شيء في العلم جديد أصبحوا يحمدون الله أن استطاعوا أن يحتفظوا بالقديم، وهذا هو الذي سمي «إقفال باب الاجتهاد»، فلم يكن هناك باب مفتوح أقفل، ولا مجمع من العلماء تجادلوا فيه، ثم قرروا محضرا كتبوا فيه ذلك، لا لا، ولا شيء من ذلك، إنما هي حالة نفسية اعترتهم لم يأملوا معها في جديد، وكل أملهم انحصر في المحافظة على القديم، فاجتهدوا كل الجهد أن يحتفظوا بالبقية الباقية يرددونها ويكررونها، ويشرحونها أو يختصرونها؛ فانقلب المجتهد المطلق إلى مجتهد مذهب، والمؤلف المبتكر إلى مؤلف مفسر، ومن خرج عن الطريق المرسوم ولو قليلا كان ملحدا زنديقا، فإن بدر شيء يعد ذا قيمة فواحة خضراء وسط صحراء جرداء على ضعف الواحة، وقلة سكانها، وضآلة خيراتها. وسنعرض في هذا القسم من الكتاب إلى وصف هذه الواحات، وما فيها من خيرات.