تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ضعفت ثقة الخلفاء بالعرب على ممر الأيام؛ إذ رأوهم لا يتحمسون للقتال لهم تحمس الفرس. وقد تقدم أن رجلا تعرض للمأمون بالشام وقال له: «يا أمير المؤمنين، انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم أهل خراسان!» ولكن المعتصم بدأ يشعر أيضا بضعف ثقته بالفرس؛ وذلك أن كثيرا من الجند لما مات المأمون كان هواهم مع ابنه العباس؛ لأن أم المأمون فارسية، فدعتهم عصبيتهم للمأمون - نصف الفارسي - أن يتعصبوا لابنه العباس أيضا.

وذكر «الطبري» أن الجند شغبوا لما بويع لأبي إسحاق - المعتصم - بالخلافة، فطلبوا العباس ونادوه باسم الخلافة، فأرسل أبو إسحاق إلى العباس فأحضروه فبايعه العباس ثم خرج العباس إلى الجند فقال: ما هذا الحب البارد؟! قد بايعت عمي، وسلمت الخلافة إليه. فسكن الجند.

2

لم تمر هذه الحادثة على المعتصم من غير أن تدعوه إلى التفكير العميق؛ حتى لا يتكرر مثل هذا الحادث، ففكر أن يستعين بقوم غير الفرس وغير العرب، فهداه تفكيره إلى الترك، وظل لا يصفو للعباس ولا العباس يصفو له حتى اتهم العباس بأنه يدبر مؤامرة لاغتيال المعتصم، فقبض على العباس وسجن ومنع عنه الماء حتى مات. (2)

وسبب آخر لاستدعاء المعتصم للترك، وهو أن أم المعتصم أصلها من هذه الأصقاع التركية، فقد كانت من السغد، واسمها ماردة، وكان في طباعه كثير من طباع هؤلاء الأتراك، من القوة والشجاعة والاعتداد بقوة الجسم؛ «كان يجعل زند الرجل بين إصبعيه فيكسره». ويقول أحمد بن أبي دؤاد: «كان المعتصم يخرج ساعده إلي ويقول: عض ساعدي بأكثر قوتك. فأمتنع، فيقول: إنه لا يضرني! فأورم ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلا عن الأسنان!»

3

فدعته العصبية التركية والتشابه الخلقي أن يفكر في استدعاء الأتراك ففعل.

استكثر المعتصم من الأتراك حتى ملئوا بغداد وضايقوا أهلها، قال المسعودي: «كانت الأتراك تؤذي العوام بمدينة السلام بجريها بالخيول في الأسواق وما ينال الضعفاء والصبيان من ذلك، فكان أهل بغداد ربما ثاروا ببعضهم فقتلوه عند صدمه لامرأة أو شيخ كبير، أو صبي أو ضرير؛ فعزم المعتصم على النقلة معهم ... فانتهى إلى موضع سامرا، فأحضر الفعلة والصناع وأهل المهن من سائر الأمصار، ونقل إليها من سائر البقاع أنواع الغروس والأشجار، فجعل للأتراك مواضع متميزة، وجاورهم بالفراغنة والأشروسنية ... وأقطع أشناس التركي وأصحابه من الأتراك الموضع المعروف بكرخ سامرا ... إلخ».

4

كان من هؤلاء الأتراك مسلمون أسلموا على أثر فتح المسلمين لبلادهم في العصر الأموي، ومنهم مجوس وثنيون أخذوا يسلمون عند استقدام المعتصم لهم، وكانوا يتكلمون التركية، فأخذوا يتعلمون العربية، وقد عرفوا بالشجاعة والصبر على القتال كما عرفوا بخشونة البداوة وقسوة الطبيعة؛ وحافظ المعتصم على دمائهم أن تبقى متميزة، فجلب لهم نساء من جنسهم زوجهن لهم، ومنعهم أن يتزوجوا من غيرهم.

مكن المعتصم للأتراك في الأرض، وكانوا في أول أمرهم قوة للدولة، وبسببهم - على الأكثر - يرجع انتصارهم على الروم في وقعة عمورية سنة 223ه، فكانت القيادة العليا في يد الأتراك وعلى رأسهم أشناس.

من ذلك التاريخ دخل في نزاع العصبية عنصر قوي جديد، فقد كان النزاع قبل بين الفرس والعرب، فأصبح بين العرب والفرس والترك؛ وكان العرب قد ضعف أمرهم في نزاعهم مع الفرس، فجاءت قوة الترك ضغثا على إبالة، وتوجهت قوة الترك أولا - لإضعاف شأن هؤلاء الفرس المستبدين بالسلطان. وأخذ التاريخ الإسلامي يصطبغ بالصبغة التركية، وبعد أن كانت الأحداث تتصل بأعلام الفرس، كأبي مسلم الخراساني والبرامكة والحسن بن سهل والفضل بن سهل، وعبد الله بن طاهر وأمثالهم؛ ظهر التاريخ مرتبطة أحداثه بأشناس، وإيتاخ، وبغا الكبير، وبغا الصغير، وابن طولون وأمثالهم من الأتراك؛ إذ كانوا القابضين على زمام الدولة والمتصرفين في شئونها.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣