تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال أبو زيد البسطامي: «ليس بليس»، يعني: قد غابت الأشياء الحاضرة، وتلفت الأشياء، فليس يوجد شيء ولا يحس، وهو الذي يسميه قوم الفناء، والفناء عن الفناء.

ويقول الشبلي: «يا دهشا كله»، معناه: كل شيء مع الحلق دهش كله كالذي قال:

إن من هواه قد أدهشني

لا خلوت الدهر من ذاك الدهش

وكان الشبلي يقول أيضا: «تاهت الخليقة في العلم، وتاه العلم في الاسم، وتاه الاسم في الذات» إلخ إلخ ...

وربما كان هذا من أوضح ما غمض من أقوالهم.

| تذييل

في تاريخ الحركات العلمية والأدبية والمذاهب الدينية من القرن السادس حتى النهضة الحديثة

تمهيد

يكاد يكون العلم والأدب والفن قد انتهى في العالم العربي بانتهاء القرن الخامس وربما وجد شيء في القرن السادس الهجري من الابتكار والتجديد، أما بعد ذلك من ابتداء القرن السابع إلى النهضة الحديثة فيكاد يكون ترديدا لما فات، وجمعا لمتفرق، أو تفريقا لمجتمع، إلا في القليل النادر الذي سنذكره في هذا القسم.

وهنا نتساءل: هل عقمت الولادة عن ولادة المبتكر المجدد، أم أصيب الناس بالغباء بعد الذكاء؟ والحق أن ليس شيء من ذلك، وإنما هي التربية: فرب الذكي تربية غباء يكن غبيا، ورب الغبي تربية ذكاء يخرج خير ما عنده. وأنت إذا أخذت مصباحا كهربائيا قوته خمسون، ولكن لم تنظفه مما عليه من غبار، وما لم تلمعه وتهيئه تهيئة حسنة، كان خيرا منه مصباح قوته خمس وعشرون أعد كل الإعداد، فالولادة لم تعقم، ولكن غلبت على عقول من تلدهم التربية والظروف، فما السبب في ذلك؟

يظهر لي أن السبب أمور:

أولا:

أن العنصر العربي الذي ينتج النتاج العربي قد اختفى تقريبا، وغلب عليه العنصر الفارسي والتركي. قد كان العنصر الفارسي أول الأمر يتثقف الثقافة العربية؛ حتى يخرج ثقافته هو الفارسية إلى ثقافة عربية، كما فعل عبد الحميد الكاتب، وعبد الله بن المقفع وأمثالهما، وكما فعل البرامكة، أما بعد ذلك فقد أخذ الفرس يتعصبون للغاتهم وثقافتهم، وأعرض كثير منهم عن التثقف بالثقافة العربية كحال بني بويه الفارسيين، فقد كانوا يتعصبون للفارسية، إلا القليل النادر الذي يتقن العربية مثل عضد الدولة. وخلف الترك الفرس، فكانوا أبعد عن العربية، وعن الثقافة العربية، خصوصا وأن العلم والأدب العربيين كانا أرستقراطيين لا شعبيين، فالعلماء والأدباء يقصدون إلى بلاط الأمراء والولاة، والقواد يتكسبون منهم؛ إذ لا يستطيعون أن يتكسبوا من الشعب. فلما استعجم هؤلاء الولاة والأمراء، ولم يفهموا علم العلماء، ولا أدب الأدباء انحط شأن العلم والأدب، ولكن لا بد أن نلاحظ ملاحظة دقيقة، وهي أن العلم والأدب ظلا مزدهرين بعد تغلب الفرس والترك والأعاجم ، وذلك بقوة الدفعة لا بقوتهم هم؛ إذ العلم والأدب لا يموتان سريعا، ولكن يحتضران في زمن طويل، وهذا هو الذي يفسر استمرار النهضة العلمية والأدبية في القرن الخامس، وشيء منهما في القرن السادس، وبعد ذلك تم الاختصار.

ثانيا:

كان المعتزلة حاملي لواء النهضة الفكرية، من أقوى مبادئهم: القول بسلطان العقل، حتى الحديث نفسه يعرض على العقل ليحكم بصحته أو وضعه، وصحة العقائد الدينية البحتة تعرض أيضا على العقل، وتفسر تفسيرا عقليا، ويحتج لها احتجاج عقلي، كما رأينا من قبل، وهذا في العادة هو الذي يسلم للنهضة. وعلى العكس منهم كان المحدثون الذين يقولون بسلطة النقل، وعندهم أن قوة السند مقدمة على معقولية المتن، فلما جاء المتوكل ونصر المحدثين على المعتزلة، وأدخل المعتزلة في جحر بيوتهم سياسيا، وجاء الأشعري، وزاد في قمعهم دينيا حرم العالم الإسلامي المنهج العقلي، وتبعوا المنهج النقلي، وأصبح منهج المحدثين هو منهج التربية السائد في العالم الإسلامي كله. وطبيعي أن المنهج النقلي لا يعد للتجديد والابتكار، وإنما يعد لرواية الخلف عن السلف، وكلما تقدم الزمن زاد عبء السلف على أكتاف الخلف، فشل من ابتكارهم.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٩٨