تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سقاك فكم ظمئت إليك شوقا

على عدواء داري واقترابي

غرست لأهل الحب غصنا من الهوى

ولم يك يدري ما الهوى أحد قبلي

فأورق أغصانا وأينع صبوة

وأعقب لي مرا من السما للمحل

وكل جميع العاشقين هواهم

إذا نسبوه كان من ذلك الأصل

ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة

فإني من ليلي لها غير ذائق

وأكثر شيء نلته من وصالها

أماني لم تصدق كلمحة بادق

إن كنت سائلا عن خالص المنن

وعن تآلف ذات النفس بالبدن

وعن تشبثها بالحظ مذ ألفت

أدرانها فغدت تشكو من العطن

وعن بواعثها بالطبع مائلة

تهوى بشهرتها في ظلمة الشجن

وعن حقيقتها في أصل معدنها

لا ينثني وصفها منها إلى وثن

وعن تنزلها في حكمها ولها

علم يفرقها في القبح والحسن

فاسمع هديت علوما عز سالكها

على البيان ولا يغررك ذو لسن

قصدا إلى الحق لا تخفى شواهدها

قامت حقائقها بالأصل والفنن

يا سائلي عن علوم ليس يدركها

ذو فكرة بفهوم لا ولا فطن

خذها إليك بحق لست جاهله

والأمر مطلع والحق قيدني

على الحقيقة خذ علم الأمور ولا

تحجبك صورتها في عالم الوطن

ففطرة النفس سر لا يحيط به

عقل تقيد بالأوهام والدرن

وقد تنقل الشعر الصوفي في أطوار كثيرة كما تطور النثر، وكانت ذروته عند ابن عربي، وابن الفارض في الشعر العربي، وجلال الدين الرومي في الشعر الفارسي. وسنتكلم عن ذلك في القسم الأخير من هذا الكتاب، إن شاء الله.

ولهم في الأدب نوع لطيف، وهو المكاتبات بين كبارهم، ويقولون: «العلم كله نصفان: نصفه سؤال، ونصفه جواب.»

وكتب أبو سعيد الخراز إلى أبي العباس حمد بن عطاء:

يا أبا العباس: أتعرف لي رجلا قد كملت طهارته، وبرئ من آثار نفسه، موقوفا مع الحق بالحق للحق، من حيث أوقفه الحق ... فإن عرفت لي هذا فدلني عليه، حتى إن قبلني كنت له خادما.

وكتب عمرو بن عثمان المكي كتابا إلى جماعة الصوفية ببغداد، فكان منه: «إنكم لم تصلوا إلى حقيقة الحق، حتى تجاوزوا تلك الطرقات المنطمسة، وتسلكوا تلك المفاوز المهلكة». وكان الجنيد حاضرا قراءة المكاتبة، فقال: «ليت شعري من الداخل فيها؟» وقال أبو محمد الجريري: «ليت شعري من الخارج منها؟»

ومرض رجل من أصحاب ذو النون، فكتب إليه أن ادع الله لي، فكتب إليه ذو النون: «يا أخي، سألتني أن أدعو الله لك أن يزيل عنك الغم، واعلم يا أخي أن المرض والعلة يأنس بها أهل الصفاء، وأصحاب الهمم ... ومن لم يعد البلاء نعمة فليس من الحكماء، فليكن معك يا أخي من الله حياء يمنعك من الشكوى والسلام ...» وكتب رجل إلى ذي النون أيضا: «آنسك الله تعالى بقربه»، فكتب ذو النون: «أوحشك الله من قربه ؛ فإنه إذا آنسك بقربه فهو قدرك، وإذا أوحشك من قربه فهو قدره، ولا نهاية لقدره حتى يتركك ملهوفا إليه.»

وكتب يوسف بن الحسين إلى بعض الصوفية: «أشكو إليك ركوني إلى الدنيا، وما أجد في طبعي من الأخلاق التي لست أرضاها من نفسي لنفسي»، فكتب إليه: «وصل كتابك، وفهمت ما ذكرت، ومخاطبتك شريكك في شكواك، ونظيرك في بلواك، فإن رأيت أن تديم الدعاء، وقرع الباب، فإنه من قرع الباب، ولم يعجز عن القرع دخل.»

وكتب صوفي إلى صوفي يسأله عما يؤديه إلى إصلاح نفسه، فكتب إليه: «إن فساد نفسي قد شغلني عن صلاحك، ولست أجد نفسي لسفرها ... والسلام.»

ثم لهم كلام غامض يحتاج إلى تفسير وتأويل، قام بهذا التفسير الخلف لأفراد السلف، من أمثلة ذلك: قال النوري: «مكاشفات العيون بالأبصار، ومكاشفات القلوب بالاتصال، والشطح كلام يترجمه اللسان عن وجد يفيض عن معدنه.»

ثم لهم كلام في غاية الغموض أشبه ما يكون بما يسمى اليوم «الأدب الرمزي»، يفسره كل بما يتراءى له مثل قول أبي سعيد الخراز يصف رجلا صوفيا: «هو عبد موقوف مع الحق بالحق للحق»، يعني موقوف مع الله «بالله لله». ويقول أبو علي السندي: «كنت في حال مني بي لي، ثم صرت في حال منه به له»، ومعنى ذلك: أن العبد يكون ناظرا إلى أفعاله، ويضيف إلى نفسه أفعاله، فإذا غلبت على قلبه أنوار المعرفة، يرى جميع الأشياء من الله قائمة بالله، معلومة لله، مردودة إلى الله.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٩٧