3
هذه لغة أسلس، وأوضح وأبلغ.
| هوامش
الفصل الثاني عشر
| من الشعر الصوفي
وكما كان لهم نثر جميل، وقصص قصير لطيف، لهم أيضا شعر جميل، مثل:
يا بني النقص والغير
وبني الضعف والخور
وبني البعد في الطبا
ع على القرب في الصور
أين من كان قبلكم
من ذوي اللبس والخط
سائلوا عنهم المدا
ئن واستبحثوا الخبر
سبقونا إلى الرحي
ل وإنا لبالأثر
من مضى عبرة لنا
وغدا نحن المعتبر
إن للموت أخذة
تسبق اللمح بالبصر
رحم الله مسلما
ذكر الموت فازدجر
رحم الله مؤمنا
خاف فاستشعر الحذر
ومن قولهم:
فلا والله ما وصل ابن سينا
ولا رجعا بشيء بعد بحث
ولا أغنى ذكاء أبي الحسين
وتدقيق سوى خفي حنين
أمولاي قد أحرقت قلبي فلا تكن
غدا محرقا بالنار من كان يهواكا
أتجمع لي نارين نار محبة
ونار عذاب؛ أنت أرحم من ذاكا
والله ما آسى من الدنيا على
مال ولا ولد ولا سلطان
بل في صميم القلب مني حسرة
تبقى معي وتلف في أكفاني
إني أراك بباطني لا ظاهري
فالحسن مشغلة عن العرفان
إذا فكرت فيك يحير عقلي
وألحق بالمجانين الكبار
وأصفو تارة فيشوب ذهني
ويقدح خاطري كشواظ نار
سألتك باسمك المكتوب ألا
فككت النفس من رق الإسار
يا سر سر يدق حتى
يخفى على وهم كل حي
وظاهر باطن تجلى
من كل شيء لكل شيء
لعمري ما استودعت سري سرها
سوانا حذارا أن تشيع السرائر
ولا لاحظته مقلتاي بلحظة
فتشهد نجوانا العيون النواظر
ولكن جعلت الوهم بيني وبينه
رسولا فأدى ما تكن الضمائر
حقا أقول لقد كلفتني شططا
حملي هواك وصبري، إن ذا لعجيب
جمعت شيئين في قلبي له خطر
نوعين ضدين تبريد وتلهيب
نهاني حيائي منك أن أكتم الهوى
وأغنيتني بالفهم عنك من الكشف
تلطفت في أمري فأبديت شاهدي
إلى غائبي، واللطف يدرك باللطف
تراءيت لي بالغيب حتى كأنما
تبشرني بالغيب أنك في الكف
أراك وبي من هيبتي لك وحشة
فتؤنسني باللطف منك والعطف
وتحيي محبا أنت في الحب حتفه
وذا عجب كون الحياة مع الحتف
ولو أن الرقاد دنا لطرفي
جلدت جفونها بالدمع جلدا
فأجابه آخر:
ولكني أقول حييت حقا
إذا الوجد المبرح منك يهدا
وإن حل الرقاد بجفن عيني
رقدت إجابة لك لا لأهدا
لي سكرتان وللندمان واحدة
شيء خصصت به من بينهم وحدي
سكران سكر هوى وسكر مدامة
فمتى يفيق فتى به سكران
عجبت لمن يقول ذكرت ربي
فهل أنسى فأذكر ما نسيت
أموت إذا ذكرتك ثم أحيا
ولولا حسن ظني ما حييت
فأحيا بالمنى وأموت شوقا
فكم أحيا عليك وكم أموت
شربت الحب كأسا بعد كأس
فما نفد الشراب ولا رويت
يا أيها البرق الذي يلمع
من أي أكناف السما تسطع
يا ذا الذي زارا وما زارا
كأنه مقتبس نارا
مر بباب الدار مستعجلا
ما ضره لو دخل الدارا
كأن رقيبا منك يرعى خواطري
وآخر يرعى ناظري ولساني
فما رمقت عيناي بعدك منظرا
يسوءك إلا قلت قد رمقاني
ولا بدرت من في دونك لفظة
لغيرك إلا قلت قد سمعاني
وإخوان صدق قد سئمت حديثهم
وأمسكت عنهم ناظري ولساني
وما الزهد أسلى عنهم غير أنني
وجدتك مشهودي بكل مكاني
أفكر ما أقول إذا افترقتا
وأحكم دائبا حجج المقال
فأنساها إذا نحن التقينا
وأنطق حين أنطق بالمحال
لو أن ما بي على صخر لأنحله
فكيف يحمله خلق من الطين
أنا إن مت فالهوى حشو قلبي
وبداء الهوى يموت الكرام
بكت عيني غداة العين دمعا
وأخرى بالبكا بخلت علينا
فعاقبت التي بخلت بدمع
بأن غمضتها يوم التقينا
نحن في أكمل السرور ولكن
ليس إلا بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودي
أنكم غيب ونحن حضور
بحق الهوى يا أهل ودي تفهموا
لسان وجود بالوجود غريب
حرام على قلب تعرض للهوى
يكون لغير الحق فيه نصيب
ليس في القلب والفؤاد جميعا
موضع فارغ يراه الحبيب
هو سؤلي ومنيتي وحبيبي
وبه ما حييت عيش يطيب
وإذا ما السقام حل بقلبي
لم أجد غيره للسقم طبيب
سقى الله المدينة من محل
لباب الماء والنطف العذاب
وجاد على البقيع وساكنيه
ضي الذيل ملآن الوطاب
فلو بخل الصحاب على ثراها
لذابت فوقها قطع الشراب