وجعل موقفا سماه موقف «استوى الكشف والحجاب»، قال لي: «أنا ناظرك، وأحب أن تنظر إلي؛ نفسك حجابك، وعلمك حجابك، ومعرفتك حجابك، وأسماؤك حجابك، وتعرفي إليك حجابك، فأخرج من قلبك كل شيء، وأخرج من قلبك العلم بكل شيء، وذكر كل شيء ... وفرغ قلبك لي لتنظر إلي، ولا تغلب علي.»
ومن أمثلة المخاطبات: «يا عبد ... أي عارض عرض لك فلم ترني فيه فإنك من غيبتي لا منه ... يا عبد، أنا أرأف من الرأفة، وأرحم من الرحمة ... يا عبد، إذا بدوت لك فلا غنى ولا فقر ... يا عبد، اشترني بما سرك وساءك، يفنى الثمن ويبقى المبتاع ... يا عبد، اهدم ما بنيته بيدك قبل أن أهدمه بيدي ... يا عبد، إذا رأيتني فلا والد يستجرك، ولا ولد يستعطفك ... يا عبد، الغيبة ألا تراني في شيء، والرؤية أن تراني في كل شيء ... يا عبد، الكشف جنة الجنة، والغطاء نار النار.»
وهكذا نخرج من هذه الأمثلة على لفظ جميل، وأسلوب لطيف، ومعنى غامض. وقد رووا أن له قصيدة صوفية كبيرة، شرحها عفيف الدين التلمساني الصوفي أيضا. (5)
وأوضح منه وأبلغ ابتهالات أبي حيان التوحيدي وقد كان صوفيا، ومات سنة 414ه.
ومن أمثلتها: قوله: «اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الطلب إلا منك، ومن الرضا إلا عنك ... أسألك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي، والشكر على نعمك شعاري ودثاري، والنظر إلى ملكوتك دأبي وديدني، والانقياد لك شأني وشغلي، والخوف منك أمني وإيماني، واللياذ بذكرك بهجتي وسروري ... اللهم إني أسألك خفايا لطفك، وفواتح توفيقك، ومألوف برك، وعوائد إحسانك، وأسألك القناعة برزقك، والرضا بحكمك، والنزاهة عن محظورك، والورع في شبهاتك ... اللهم اجمع من أمري شمله، وانظم من شأني شتيته، واحرسني عند الغنى من البطر، وعند الفقر من الضجر، وعند الكفاية من الغفلة، وعند الحاجة من الحسرة، وعند الطلب من الخيبة، وعند البحث من الاعتراض عليك، أسألك أن تجعل صدري خزانة توحيدك، ولساني مفتاح تمجيدك، وجوارحي خدم طاعتك، فإنه لا عز إلا في الذل لك، ولا غنى إلا في الفقر إليك، ولا أمن إلا في الخوف منك، اللهم إليك نشكو قسوة قلوبنا، وغل صدورنا، وفتنة أنفسنا، وطموح أبصارنا، ورفث ألسنتنا، وسخف أحلامنا، وسوء أعمالنا ... اللهم أطب عيشنا بنعمتك، وأرح أرواحنا من كد الأمل في خلقك، وخذ بأزمتنا إلى بابك ... اللهم أنت الظاهر الذي لا يجحدك إلا زايلته الطمأنينة، وأوحشه القنوط، وتردد بين رجاء قد ناء عنه التوفيق، وأمل قد حفت به الخيبة. اللهم إني أسألك جدا مقرونا بالتوفيق، وعلما بريئا من الجهل، وعملا عريا من الرياء، وقولا موشحا بالصواب، وحالة دائرة مع الحق، وفطنة عقل مضروبة في سلامة صدر، وراحة جسم راجعة إلى روح بال، وسكون نفس ... اللهم اجعل غدونا إليك مقرونا بالتوكل عليك ، ورواحنا عنك موصولا بالنجاح إليك، ولا تخلنا من يد تستوعب الشكر، ومن شكر يمتري خلق المزيد، ومن مزيد يسبق اقتراح المقترض، وصنع يفوق ذرع الطالبين ... اللهم احجز بيننا وبين كل ما دل على غيرك، انقلنا من مواطن العجز مرتقيا بنا إلى شرفات العز، فقد استحوذ الشيطان، وخبثت النفس، وساءت العادة، وكثر الصادفون عنك، وقل الداعون إليك، وقل المراعون لأمرك، وفقد الواقفون عند حدودك، وخلت ديار الحق من سكانها، وبيع دينك بيع الخلق ... اللهم فأعد نضارة دينك، وامدد علينا ظل توفيقك ... اللهم إنا بك نعز، كما أنا بغيرك نذل، وإياك نرجو، كما أنا من غيرك نيأس ... اللهم إنك تملك العالم كله وما بعده وما قبله، ولك فيه تصاريف القدرة، وخفيات الحكمة، ونوافذ الإرادة، ولك فيه ما لا ندريه مما تخفيه، ولا تبديه، جللت عن الإجلال، وعظمت عن التعظيم، فكن عند ظننا بك ... وحقق رجاءنا فيك، فما خالفناك جرأة عليك، ولا عصيناك تقحما في سخطك، ولا اتبعنا هوانا استهزاء بأمرك ونهيك، ولكن غلبت علينا جواذب الطينة التي عجنتنا بها، وبذور الفطرة التي أنبتنا منها، فلسنا ندعي حجة، ولكن نسألك رأفة، إنك أهل ذلك، وأنت على كل شيء قدير.»