تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كتب الشبلي إلى الجنيد: «يا أبا القاسم، ما تقول في حال علا فظهر، وظهر فقهر وبهر، فاستناخ واستقر، فالشواهد منطمسة، والأوهام حنسة، والألسنة خرسة، والعلوم مندرسة، ولو تكاتفت الخليقة على من هذا حاله، لم يزده ذلك إلا توحشا، ولو أقبلت إليه تعطفا ، لم يزده ذلك إلا تبعدا.» (3)

ومن كلامهم في عدم الاهتمام بالرزق: «إن جماعة دخلوا على الجنيد فاستأذنوه في طلب الرزق، فقال: إن علمتم أي موضع هو فاطلبوه، قالوا: فنسأل الله تعالى ذلك. قال: إن علمتم أنه ينساكم فذكروه؛ قالوا: فندخل البيت ونتوكل، وننتظر ما يكون. فقال: التوكل على التجربة شك. قالوا: فما الحيلة؟ قال: ترك الحيلة.» وقال بعض العارفين: «من سأل الله الدنيا فإنما سأله طول الوقوف بين يديه»، وقالوا: «مثل الدنيا وأهلها كقوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة، وحذرهم المقام، وخوفهم مرور السفينة فتفرقوا في نواحي الجزيرة؛ فقضى بعضهم حاجته، وبادر إلى السفينة، فصادف المكان خاليا، فأخذ أوسع الأماكن وألينها، وأوفقها لمراده، وبعضهم أطال الوقوف إلى الجزيرة ينظر أزهارها وأنوارها، وغياضها، ونغمات طيورها، وأحجارها، وجواهرها، ومعادنها، ثم تنبه لخطر فوات السفينة، فرجع إليها فلم يصادف إلا مكانا ضيقا حرجا، فاستقر فيه، وبعضهم أكب على تلك الأصداف والأحجار، واستصحب منها جملة، فجاء إلى السفينة فلم يجد إلا مكانا ضيقا، وزاده ما حمله ضيقا، وصار ثقيلا عليه، ولم تطعه نفسه على رميه، فحمله على عنقه ورأسه، وبعضهم شغل بالأنوار والغيض، ونسي السفينة، ولم يبلغه نداء الملاح لانشغاله بأكل الثمار، فتركته السفينة وعاش خائفا على نفسه من السباع والحيات، وبعضهم سمع أخيرا نداء الملاح فعاد مثقلا بما معه فلم يجد في السفينة موضعا واسعا، أو ضيقا فبقي على الشط حتى مات جوعا ... وبعضهم وبعضهم وبعضهم من صنوف الركاب المختلفين، وهذه حالة الخلق إلا من عصمه الله.» (4)

ومن أدباء المتصوفة الذين لم ينالوا حظهم في الشهرة: النفري وهو محمد بن عبد الجبار نسبة إلى نفر بلدة كانت في جنوب العراق، ثم خربت ... وقد مات سنة 334ه، وهو من صوفية القرن الرابع. وقد خلف لنا كتابين صغيرين من خير الكتب، وهما: «المواقف»، و«المخاطبات»،

1

والمخاطبات مفهومة، وهي مخاطبته لله - عز وجل - وابتهالاته إليه، والمواقف وقفاته أمام الله، وموافقة الله معه حسب أحواله، وقد تكلم في كل موقف بما يناسبه ، فموقف العز، وموقف القرب، وموقف الكبرياء، وموقف الرفق، وهكذا ... ولنسق أمثلة من كل منهما:

قال في موقف العز: «أوقفني في العز وقال لي: لا يستقل به من دوني شيء،

2

ولا يصلح من دوني لشيء، وأنا العزيز الذي لا يستطاع مجاورته، ولا ترام مداومته، أظهرت الظاهر وأنا أظهر منه، فما يدركني قربه، ولا يهتدي إلي وجوده، وأخفيت الباطن وأنا أخفى منه، فما يقوم علي دليله، ولا يصح إلي سبيله، وقال لي: لولاي ما أبصرت العيون نواظرها، ولا رجعت الأسماع بمسامعها. وقال لي: لو أبديت لغة العز لخطفت الأفهام خطف المناجل، ودرست المعارف درس الزمان، عصفت عليها الرياح العواصف ... وقال لي: إن من أعد معارفه لو أبديت له لسان الجبروت لأنكر ما عرف، ولمار مور السماء يوم تمور السماء للقائي مورا ... إلخ»، وقال في موقف الأدب: «أوقفني في الأدب، وقال لي: طلبك مني وأنت لا تراني عبادة، وطلبك مني وأنت تراني استهزاء ... وقال لي: رأس المعرفة حفظ حالك التي لا تقسمك ... وقال لي: كل ما جمعك على المعرفة فهو من المعرفة. وقال لي: إن انتسبت فأنت لما انتسبت إليه لا لي ... وإن كنت لسبب فأنت للسبب لا لي ... وقال لي: آليت لا أقبلك وأنت ذو سبب أو نسب».

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٩٤