تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| هوامش

الفصل العاشر

| أطوار الأدب الصوفي

والأدب الصوفي يمكن أن يقال إنه تطور في ثلاثة أطوار: الطور الأول يبدأ من ظهور الإسلام، وينتهي في أواسط القرن الثاني للهجرة، وكل ما بين أيدينا منه طائفة كبيرة من الحكم، والمواعظ الدينية، والأخلاق تحث على كثير من الفضائل، وتدعو إلى التسليم بأحكام الله ومقاديره، وإلى الزهد والتقشف، وكثرة العبادة والورع، وعلى العموم هي تصور لنا عقيدة هذا العصر من البساطة والحيرة.

والطور الثاني يبدأ من أواسط القرن الثاني الهجري إلى القرن الرابع، وهنا يبدو ظهور آثار التلقيح بين الجنس العربي، والأجناس الأخرى، وفيه يظهر اتساع أفق التفكير اللاهوتي، وتبدأ العقائد تستقر في النفوس على أثر نمو علم الكلام، وفيه يظهر عنصر جديد من الفلسفة.

والأدب الصوفي في طوريه الأول والثاني أغلبه نثر، وإن ظهر الشعر قليلا في طوره الثاني، وفي الطور الثاني هذا يبدأ تكون الاصطلاحات الصوفية والشطحات.

أما الطور الثالث فيستمر حتى نهاية القرن السابع، وأواسط القرن الثامن، وهو العصر الذهبي في الأدب الصوفي، غني في شعره، غني في فلسفته، شعره من أغنى ضروب الشعر وأرقاها، وهو سلس واضح وإن غمض أحيانا، وفلسفته من أعمق أنواع الفلسفة الإلهية وأدقها، ومعانيه في نهاية السمو، تقرؤها فتحسب أنك تقرأ معاني رقيقة عارية لا ثوب لها من الألفاظ، خياله رائع يسبح بك في عالم كله جمال، عواطفه صادقة يعرضها عليك كأنها كتاب إلهي تقلبه أنامل الملائكة، يقدس الشعراء فيه الحب، ولا بد أن يكون الإنسان هائما أيضا مسلحا بكثير من الأذواق والمواجيد، والحالات التي يعتقدها المتصوفون حتى يسايرهم في الفهم.

الفصل الحادي عشر

| الأدعية والابتهالات

والأدب الصوفي متنوع تنوع الأدب المادي، ففيه حكم، وفيه قصص كثيرة، وفيه شعر، وهو يهتم بمواضع خاصة يكثر فيها القول مثل: الحب، والمناجاة، والورع، والتقوى، وعدم الاهتمام بالرزق، وصفات أولياء الله العارفين، وذم الدنيا، والزهد في شؤونها. ولنسق الآن أمثلة منها: (1)

من دعاء ذي النون المصري: «اللهم إن الحول حولك ، والطول طولك، ولك في خلقك مدد وقوة وحول، وأنت الفعال لما تشاء، لا العجز والجهل يطارحانك، ولا النقصان والزيادة يحيلانك، لا يحد قدرتك أحد، ولا يشغلك شأن عن شأن.»

وله أيضا: «اللهم اجعل العيون منا فوارات بالعبرات، والصدور منا محشوة بالعبر والحرقات، واجعل قلوبنا غواصة في موج قرع أبواب السماوات، تائهة من خوفك في البوادي والفلوات، افتح لأبصارنا بابا إلى معرفتك، ولمعرفتنا أفهاما إلى النظر في نور حكمتك، يا حبيب قلوب الوالهين، ومنتهى رغبة الراغبين، اللهم تقبل ما مننت به علينا من الإسلام والإيمان، ولا تمنعنا عفوك عن السؤال، فإنا إليك آيبون، ومن الإصرار على معصيتك تائبون.»

ومن أدعية معروف الكرخي: «حسبي الله لديني، حسبي الله لدنياي، حسبي الله الكريم لما أهمني، حسبي الله الحكيم القوي لمن بغى علي، حسبي الله الشديد لمن كادني بسوء، حسبي الله الرحيم عند الموت، حسبي الله الرءوف عند المساءلة في القبر، حسبي الله الكريم عند الحساب، حسبي الله اللطيف عند الميزان، حسبي الله القدير عند الصراط، حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.»

ومن دعاء ليوسف بن الحسين: «اللهم إنا نبات نعمك، فلا تجعلنا حصائد نقمك، اللهم أعطنا ما تريده منا، يا من أعطانا الإيمان من غير سؤال لا تمنعنا عفوك مع السؤال، فإنا إليك آيبون، ومن الإصرار على معصيتك تائبون.»

ومن دعاء للجنيد: «اللهم إني أسألك يا خير السامعين، وبجودك ومجدك يا أكرم الأكرمين، وبكرمك وفضلك يا أسمح السامحين، أسألك سؤال خاضع خاشع متذلل متواضع ضارع، اشتدت إليك فاقته، وعظمت فيما عندك رغبته، وعلم ألا يكون شيء إلا بمشيئتك، ولا يشفع شافع إليك إلا من بعد إذنك ... إلهي وسيدي وسندي، أنا بك عائذ لائذ مستغيث مستنجد.» (2)

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٩٣