صلى الله عليه وسلم
يقول: «أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك.» ثم مقام التوكل يجعل الإنسان نفسه آلة في يد الخالق يديرها كيف شاء، ثم مقام الرضا والطمأنينة، وراحة النفس، والسلام الروحي؛ ولذلك يستعينون على هذا المقام بالغناء، والموسيقى، والرقص، وتكرار لا إله إلا الله، أو الله الله، إلى أن يكل لسانه، ويشعر أنه إنما ينطق بقلبه ، ولست أدري هل الاتفاق في الدرجات، وجعلها سبعا متفقة مع الدعوة الفاطمية، وتدرجها إلى سبع أيضا: أيهما أخذ من الآخر؟؟
هذه هي المقامات، أما الأحوال فعدوا منها التأمل، والقرب، والمحبة، والخوف، والرجاء، والشوق، والأنس، والطمأنينة، والمشاهدة، والتعين، وهم يقولون: إن المقامات يتوصل إليها بمجهود الشخص، أما الأحوال فموهبة من الله لا حكم للإنسان عليها، وهذا معنى قولهم: الأحوال مواهب، والمقامات مكاسب.
على كل حال، لم تكن الصوفية في القرن الثاني قد تكونت كمجموعة تربط بينها روابط متينة، إنما كانت جماعة متفرقة في البلدان، وقد يكون لكل شيخ صوفي تلاميذه الخاصة به.
وجاء بعده سري السقطي المتوفى سنة 253ه، قالوا: إنه أول من تكلم ببغداد في الحقائق الإلهية والتوحيد، وجاء بعده الجنيد البغدادي المتوفى سنة 297ه، قالوا: إنه أول من صاغ المعاني الصوفية، وكتب في شرحها، وزاد التصوف في القرن الرابع نظاما من ناحيتيه: النظرية، والعملية.
ويلاحظ أن الصوفيين الأولين كانوا مع تصوفهم يلتزمون أداء الشعائر في أوقاتها، ثم ظهرت نزعة عند بعضهم بعدم التدقيق في تأدية الشعائر، كأن العلاقة الصوفية بين المتصوف والله تجعل في حل من التزامها.
الفصل الخامس
| وحدة الوجود
ومما شاع في المتصوفة من قديم القول بوحدة الوجود، وهي مسألة في منتهى الدقة، ربما جمعها تفسيرها بأن المحب يفنى في محبوبه، ويحب بكل قلبه حتى لا يكون هناك فرق بين محب ومحبوب، وفي القرآن آيات أمعن فيها المتصوفة ففهموها على مذهبهم، مثل:
كل شيء هالك إلا وجهه (القصص: 88)، و
كل من عليها فان (الرحمن: 26)، و
فأينما تولوا فثم وجه الله (البقرة: 115)، و
وإذا سألك عبادي عني فإني قريب (البقرة: 186)،
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (ق: 16)؛ فكان الإمعان في ذلك، والغلو فيه سببا في أقوال المتصوفة في هذا الباب، ثم كان الحب العذري، والأدب الذي أثاره مجنون ليلى، وجميل بثينة، وكثير عزة، وفيه أبيات تدل على فناء المحب في المحبوب، حتى يبلغ أن يكون المحبوب هو المحب. وسبب ثالث: وهو ما ذهب إليه الشيعة من أن الأئمة وعلى رأسهم علي فيهم روحانية إلهية، بها استحقوا أن يكونوا أئمة، وأن يكونوا معصومين، ثم أتى بعد ذلك الغلو في الفناء، أي فناء المحب في المحبوب، حتى لا يرى شيئا إلا هو، وكلما تقدم الزمن رأينا أثرا من ذلك في مثل بعض أقوال أبي يزيد البسطامي، وبعد ذلك رأينا ذلك واضحا في الحلاج
1
من مثل قوله: «أنا الحق، وما في الجبة إلا الله»، ولكن يظهر أن الحلاج كان يقول بالحلول، أي حلول الله في الإنسان، أي أنه هو والله شيء واحد، كما يقول بعض النصارى في امتزاج الطبيعة الإلهية بالطبيعة الناسوتية، كما يمتزج الماء بالخمر، كقوله: «دع الخليقة لتكون أنت هو، وهو أنت»، وبالفعل وجد في بعض تعبيراته كلمة الناسوت واللاهوت كالتعبيرات النصرانية.
أما وحدة الوجود، فمعنى آخر تجلى فيما بعد في ابن العربي وابن الفارض، وابن سبعين، والعفيف التلمساني وغيره، حتى إن هؤلاء لم يفهموها فهما واحدا، بل بينهم خلاف ولو بسيط.
وينكر ابن الفارض الحلول، كالذي ذهب إليه الحلاج، ولذلك يقول في تائيته:
متى حلت عن قولي أنا هي أو أقل
وحاشا لمثلي أنها في حلت
وفي الصحو بعد المحو لم أك غيرها
وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلت
ولذلك وصفوا مذهب ابن الفارض بالاتحاد، كما وصفوا مذهب ابن عربي بوحدة الوجود، والقول بالاتحاد قريب من القول بوحدة الوجود، على خلاف بينهما يسير.