دخلت فكرة الفناء من البوذية عن طريق أبي يزيد البسطامي، ودخل غيرها عن طريق غيره، هكذا قال كثير من المستشرقين، وربما كان الخلاف الشديد بينهم في مقدار العناصر التي تسربت، فبعضهم يزيد من العنصر النصراني، وبعضهم يزيد من العنصر الأفلاطوني الحديث، وبعضهم من البوذية.
ويحق لنا أن نتساءل: هل وجود فكرة في إحدى هذه الأمم، ثم وجودها بعد ذلك في المتصوفة دليل على أنها أخذت عنها؟ فإذا وجد الفناء في البوذية، ثم وجدت فكرة الفناء في الصوفية، هل يكون هذا دليلا على أخذ الآخرين من الأولين؟ قد يكون هذا نوعا من التفكير الذي يدعو إلى الشك لا الجزم، خصوصا وأن هناك موانع كثيرة من هذا الرأي مثل: أن رابعة العدوية امرأة عربية لم يثبت لنا أنها ثقفت ثقافة أجنبية، وهي أول من تكلم في الحب الإلهي، فمن أين وصل إليها الحب النصراني؟ ثم إن الاتجاهات المتحدة والأمزجة المتحدة تنتج نتائج متحدة، قد لا نعجب بها إذا وجدنا النتائج العقلية متحدة في العالم؛ لأن عقول الناس في العالم متشابهة، وهي تسير على قوانين منطقية واحدة من مقدمات مشروطة بشروط، وأنواع من القياس، أما العواطف فمختلفة كثيرا عند الناس، ومع ذلك لما اتحد الصوفيون في طريقة رياضة النفس والمجاهدة، والأخذ على المشايخ رأيناهم تقاربوا في النتائج، ورأينا الصوفي العراقي يفهم الصوفي الأندلسي، والعكس، ومحيي الدين بن عربي الأندلسي، استطاع أن يفهم الحلاج العراقي، وهكذا، أفبعد هذا نستطيع أن نجزم بتسرب بعض العناصر المختلفة إلى التصوف؟ وإن هذا في نظري يشبه ما ملئت به كتب الأدب العربي من السرقات الشعرية، فهم يقولون: إن معنى هذا البيت مسروق من معنى هذا البيت، ولا نستطيع أن نجزم بذلك إلا إذا اتحدت ألفاظ البيتين أو أكثر، أما المعاني فهي شائعة في كل الأجواء، قد يقع عليها اثنان أو أكثر، ويصوغها كل من غير سرقة، وقد أنصف في ذلك القاضي عبد العزيز الجرجاني في الوساطة، فحصر السرقة في حدود ضيقة، وكذلك نقول.
| هوامش
الفصل الثالث
| تطور الصوفية
على كل حال، بدأ التصوف في القرن الثاني، ثم تطور على مدى القرون، فهذا مما لا شك فيه، ويمكننا إدراك هذا التطور إذا نحن قارنا بين نصوص رويت عن المتصوفة الأولين، وبين نصوص رويت بعدهم، ثم عمن بعدهم وهكذا، وقرأنا ذلك في مثل كتاب «الرسالة القشيرية»، و«تذكرة الألباب»، فنجد أن النصوص في العصور الأولى واضحة جلية، ثم تطورت فدخل فيها ما لم يكن وهكذا.
يفسر ذلك المستشرقون باتصال الصوفية بأهل الديانات الأخرى، ونقول: نحن باحتمال أن ذلك نشأ من التطور الطبيعي، كما تطور الزهد الإسلامي الأول الذي كان عند أهل الصفة إلى زهد مفلسف، كزهد الحسن البصري، وكما تطور الحب من حب بسيط كالذي عند صهيب إلى حب مفلسف كالذي عند رابعة العدوية.
على الجملة، كان إبراهيم بن الأدهم، وداود الطائي، والفضيل بن عياض، وشقيق البلخي، وكلهم توفوا في القرن الثاني الهجري، يكاد لا ينكر أحد أنهم صوفية إسلاميون، ثم نرى بعد ذلك في القرن الثالث أن التصوف زادت فلسفته، كالأقوال المنسوبة إلى معروف الكرخي المتوفى سنة 200ه، ويصفونه بأنه رجل غلب عليه الشوق إلى الله، ويقول تلميذه سري السقطي: «إن محبة الله شيء لا يكتسب بالتعلم، وإنما هي هبة من الله وفضل.» ثم يزيد التصوف عمقا في مثل أقوال ابن سليمان الداراني المتوفى سنة 215ه، وذي النون المصري
1
المتوفى سنة 245ه.
| هوامش
الفصل الرابع
| ذو النون المصري
وهو أيضا شخصية غريبة، فهو مصري من إخميم، يقال إنه نوبي، وتدل أقواله على أنه مثقف ثقافة واسعة، اشتهر بالكيمياء، والكيمياء في ذلك العصر كانت مشوبة بشعوذة السحر، فكانت النتائج الكيميائية التي ننظر إليها اليوم هادئين ينظر إليها فيما مضى على أنها نوع من الكرامات. وقد روي عنه أنه شغف بالتجوال في البرابي، وادعاء أنه يقرأ خطوطها الهيروغليفية، وأن هذه الكتابات مملوءة بالسحر والحكمة، وكان يدعي أنه يقرؤها، ويدل ما نقل إلينا عنه من قراءتها أنه لم يقرأها حقا، كما قرأها شامبليون بعد اكتشاف حجر رشيد، وإنما قرأها من خياله وأوهامه . على كل حال، له تأثير كبير في نقل التصوف من حال إلى حال، وينسب إليه إدخال الكلام في المقامات والأحوال في الصوفية، وقد شغلت جزءا كبيرا منها؛ فللصوفية كلام طويل في الأحوال والمقامات التي وضع فكرتها ذو النون، خلاصتها: أن طريق الوصول إلى الله شاق عسير، يجب أن يتدرج فيه المريد في مراحل يسلم بعضها إلى بعض، ولذلك سموا السير في الطريق سفرا وحجا، وسموا السائر سالكا، وهذه المراحل المتعددة تسمى بالمقامات، وقد جعلها الطوسي صاحب كتاب «اللمع»، وهو من أقدم الكتب الصوفية سبعا، كل واحدة تسلم إلى ما بعدها، وهي مقام التوبة والورع والزهد، والفقر والصبر والتوكل والرضا، فالتوبة هي الشعور بالخطيئة، والعزم الأكيد على الإقلاع عنها، وإذا لم يستطع المريد ذلك، فعليه أن يتوب مرة تلو مرة، إلى أن يتوب الله عليه، حتى يرووا أن أحدهم كرر عملية التوبة سبعين مرة. ويضاف إلى الشعور بالخطيئة، والعزم على تركها عدم التفكير فيها؛ إذ الشغل الشاغل هو الله تعالى، وبعد التوبة يجب أن يتبع الطالب مرشدا، أو شيخا يطيعه طاعة عمياء. ويحتقر المتصوفة من يسير في الطريق من غير مرشد، ويقولون: إنه أشبه ما يكون ببستان ليس له بستاني، فهو لا يثمر ثمرا صالحا، أما الورع فهو تخصيص الطالب نفسه لعبادة الله، وخدمة الإنسان في السنة الأولى، وعبادة الله، والانصراف عن الدنيا في السنة الثانية، والانصراف عن اللذات الشهوانية، والمشاغل الدنيوية بالتأمل في الله في السنة الثالثة، ثم الزهد والفقر، فالزهد في الملذات الدنيوية، والفكر عنها، والعيشة عيشة الفقراء ولو كان صاحبه غنيا، ثم الصبر، وفيه يعذب السالك نفسه؛ لأنها أمارة بالسوء، والنبي