ومعنى القول بوحدة الوجود: أن العالم والله شيء واحد. وبيان ذلك أن المتكلمين والفلاسفة مثلا يرون الوجود وجودين: واجب الوجود، وممكن الوجود، فواجب الوجود ما كان وجوده لذاته، وممكن الوجود ما وجد لسبب، والأول أزلي أبدي، والثاني محدث فان، وهذا القول يقول باثنينية الوجود، أي الله والعالم، فالله خالق، والعالم مخلوق، والله مدبر، والعالم مدبر، وليس الله حالا في العالم، وإنما هو خالقه ومدبره، والله بيده الخير والشر، يثيب الناس ويعاقبهم؛ جزاء لما كانوا يعملون، تهمه أعمال الناس، وتسره التضحية.
أما مذهب الحلول، فيرى أن الله والعالم امتزجا، وأن الله والقوة الداخلية الفاعلية في العالم مترادفان، وأما أصحاب وحدة الوجود فيقولون: إنه ليس في العالم وجودان، بل وجود واحد، والله هو العالم، والعالم هو الله، ولذلك يسمى مذهبهم بالواحدية، ويسميه ابن تيمية بمذهب «الاتحاد»، أي الاتحاد بين الله والعالم.
وقد كان انكساغوراس، وأرسطاطاليس، والرواقيون اثنينيين، وجاءت الأديان من يهودية ونصرانية وإسلام، فأيدت الإثنينية. فالله والعالم، والخالق والمخلوق، والروح والمادة، عنصران اثنان لا عنصر واحد. أما الواحدية فتقول بأن العالم والله، أو المادة والروح، أو الخالق والمخلوق شيء واحد، وهذا واضح جدا في كلام ابن عربي، فمن تعبيراتهم: «أن ذاته وذات الله قد أصبحتا ذاتا واحدة»، وقد تجلى هذا المعنى في القرن السادس والسابع الهجريين في حياة ابن الفارض وابن عربي،
2
وليست مظاهر العالم المختلفة إلا مظاهر لله تعالى، أي ليس لله وجود إلا الوجود القائم بالمخلوقات، وليس هناك غيره ولا سواه، وأن العبد إنما يشهد السوى ما دام محجوبا، فإذا انكشف الحجاب رأى أنه لا أثر للغيرية ولا للكثرة، وعاين الرائي عين المرئي، والمشاهد عين المشهود، ولهم في ذلك كلام كثير، وشطحات بعيدة المدى.
وقد تختلف تعبيراتهم باختلاف منازعهم، فتعبيرات الفلاسفة القائلين بوحدة الوجود كالسهروردي غير التعبيرات التي يقولها شاعر أديب يقول بوحدة الوجود كابن الفارض، ولأن هذا الكلام وهذا المذهب صعب إدراكه على العقل اعتمدوا هم على الذوق والكشف، ولما كان كلامهم قد لا يرضي العامة استعملوا كلمات وتعبيرات الغزل المادي من سكر وخمر، ووصال وهجران، إلى غير ذلك، حتى لقد يصعب على القارئ إذا لم يعرف قائل الأبيات أن يعرف إن كانت هذه الأبيات صوفية أو نواسية.
وقد علقوا أهمية كبيرة على الذوق، وقالوا: إنه لا يحسن التصوف إلا من كان ذا ذوق يناله بالرياضة والمجاهدة، ويقومه أكثر مما يقوم النظر العقلي، والدليل المنطقي، والذوق يوصل إلى الكشف، أما النظر العقلي فيوصل إلى العلم، والفرق بين من يرى بذوقه، ومن يقتنع بعقله كالفرق بين من يرى بعينه، ومن يصدق غيره من قوله. ولذلك اختلفت أساليب الصوفية عن أساليب العلماء في طرق المعرفة، فإذا عول الفلاسفة على العقل، فإنما يعول المتصوفة على القلب، يقول أحد الصوفية: «إن السالك في سبيل الله أحد ثلاثة: عابد يعبد الله رغبة في الجنة، وفيلسوف يعتمد على براهينه، وهو لا يصل إلى الله، وعارف يصل إلى الله بوجده، وهو خير الناس.» ولهم في المعرفة أيضا كلام كثير.
| هوامش
الفصل السادس
| التسامح الديني
وإذ قال كثير منهم بوحدة الوجود كانوا أسمح الناس في اختلاف الأديان، فالاختلاف بين الأديان إنما هو اختلاف في المظاهر، أما من حيث الحقيقة والجوهر فكل تسلك طريقا إلى الله، والغاية واحدة، والاختلاف في الوسائل لا يهم ما دامت الغاية واحدة، وهي حب إله واحد، ولابن عربي وجلال الدين الرومي أشعار كثيرة في هذا المعنى، وكذلك في بعض أبيات تائية ابن الفارض خصوصا في التائية الكبرى، وقالوا: إن كل دين وإن اختلف في مظهره عن الدين الآخر، فإنما يكشف عن ناحية معينة من نواحي الحق، فالإيمان والكفر لا يختلفان اختلافا جوهريا، واليهود، والنصارى، والمجوس، وعبدة الأصنام متفقون في عبادة إله واحد، والقرآن والتوراة والإنجيل منتظمون في سلك واحد، هو سلك التنظيم الإلهي ... إلخ؛ مما يجعلهم أرحب أهل الأديان صدرا.