وقد روي لها في الحب أيضا قولها:
إني جعلتك في الفؤاد محدثي
وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس
وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
وقد تدفق بعدها كلام الصوفية في الحب تدفقا عظيما.
ورابعة العدوية هذه - كما تدل نسبتها - عربية الأصل، كانت من أعيان عصرها، ومات أبوها وهي صغيرة، وحدثت مجاعة بالبصرة بيعت أمة بسببها ، وقد حمدها سيدها لكثرة صلاتها، وسهرها الليل. وقد ماتت سنة 235ه، فهي عربية الأصل، ولذلك نرجح أن فلسفتها للحب كانت مزاجا، ونتيجة إفراطها في العبادة والزهد، هذا إلى طبيعتها النسائية. وقد ذكر القشيري في رسالته أنها كانت تقول في مناجاتها: «إلهي تحرق بالنار قلبا يحبك؟» فهتف بها هاتف يقول: «ما كنا نفعل هذا، فلا تظني بنا ظن السوء.» وقد روي أنها قابلت الحسن البصري وسمعت منه، والذي يقارن بينهما يرى أن الحسن كان مغمورا بنزعة الخوف، وأما هي فكانت مغمورة بنزعة الحب، ولا شك أن نزعة الحب أرقى بكثير من نزعة الخوف.
قد يجوز أن يكون من أتى بعدها قد تأثر بمعاني الحب التي قيلت في الثقافات المختلفة، أما هي فما نظن أنها تأثرت بذلك، وإنما هي موجدة وجدتها في نفسها فغنت لها غناء بهيجا، كالموجدة التي كانت عند الخنساء؛ فغنت لها طويلا غناء حزينا.
وعند نشوء التصوف في القرن الثاني يظهر أنه لم يكن هناك جامعة تجمعهم، ولا أمكنة خاصة يؤدون فيها شعائرهم، إنما كانوا أفرادا متفرقين، قد يكون لبعض منهم تلاميذ، وكان كثير منهم يرتحل ويتلو القرآن، ويكثر من ذكر الله، ونرى في هذا الطور أبا يزيد البسطامي يكثر من الكلام في الاتصال بالله، والتفكير فيه، ويبدأ بفكرة كانت من أركان الصوفية فيما بعد، وهي فكرة الفناء في الله، وأبو يزيد هذا فارسي، وفكرة الفناء كانت في الديانة البوذية من قديم، وهي تسمى عندهم «نرفانا».
وفكرة الفناء كثيرة الشيوع في كلام الصوفية، وهي على درجات، وذات مظاهر، فالمظهر الأول: تغير أخلاقي في الروح تنحل معه الرغبات والشهوات، والثاني: انصراف الذهن عن كل الموجودات إلى التفكير في الله، والمظهر الأول نفسي، والثاني عقلي، ثم انعدام كل تفكير إرادي، والتفكير في الله من غير وعي، وآخر درجاته انعدام النفس بالبقاء مع الله. ويصف السري السقطي من وصل إلى هذه الحالة بقوله: «إنه لو ضرب بسيف على وجهه لما شعر به.»
وربما كان من العناصر التي تسربت إلى التصوف أيضا عنصر النصرانية ، فقد رويت أحاديث كثيرة عن تلاقي بعض الصوفية برهبان نصارى، مثل ما رواه المبرد في الكامل، وملخصه أن راهبين قدما من الشام إلى البصرة، عرض أحدهما على الآخر أن يذهبا لزيارة الحسن البصري؛ لأن حياته كحياة المسيح.
وهناك روايات كثيرة عن صوفية نزلوا أديار النصارى، كما رووا آيات من الإنجيل، ويروون أن المسيح - عليه السلام - مر بثلاثة قد نحلت أجسامهم، واصفرت وجوههم، فسألهم: ما جاء بكم هنا؟ قالوا: خوفا من النار. فقال لهم: إنكم لا تخافون مخلوقا، ثم مر بثلاثة آخرين أشد ضعفا، وأكثر اصفرارا؛ فسألهم ما سأل الأولين، فقالوا: شوقا إلى الجنة. قال لهم: رغبتم في شيء مخلوق. وأخيرا مر بثلاثة في غاية النحول والاصفرار، فسألهم ما سأل الأولين، فقالوا: محبة الله، فقال المسيح: أنتم أقرب الناس إلى الله. ويعدون ما أخذه الصوفية من المسيحية: لبس الصوف؛ إذ كان كثير من الرهبان يلبسونه، والكلام في حب الله.
ومن العناصر التي يعدونها أيضا أصلا للصوفية الأفلاطونية الحديثة، فقد ترجمت لها كتب كثيرة إلى السريانية، ومن السريانية إلى العربية، وتنسب معظم الأفلاطونية الحديثة إلى أفلوطين الذي نشأ في مصر، ثم ذهب إلى روما في القرن الثالث الميلادي، وله كتاب التاسوعات الذي نقل بعضه إلى اللغة العربية بعنوان الأثولوجيا، أي الربوبية، نقله عبد المسيح بن ناعمة الحمصي، وأصلحه لأحمد بن المعتصم بالله أبو يوسف يعقوب الكندي، وانتفع بهذا الكتاب ابن سينا، وشرحه، وهو يعتقد خطأ أنه لأرسطو، ويقول أفلوطين في ذلك الكتاب: «إني ربما خلوت بنفسي، وخلعت بدني جانبا، وصرت كأني جوهر متجرد بلا بدن، فأكون داخلا في ذاتي، راجعا إليها، خارجا من سائر الأشياء؛ فأكون العلم والعالم والمعلوم جميعا، فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء والضياء ما أبقى له متعجبا بهتا ...» وقد كانت هذه الفلسفة منتشرة في مصر؛ حيث تعلمها ذو النون المصري المتصوف الكبير. ومما ينسبون تسربه إلى الصوفية منها: الفيض، وانبثاق النور، والتجلي، وغير ذلك؛ فالبوذية، والنصرانية، والأفلاطونية الحديثة قد تسربت منها تعاليم إلى التصوف، وإن كان الأصل الأصيل لمتصوفة المسلمين الإسلام.