تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالفلسفة اليونانية كانت منتشرة في الشرق منذ فتوح الإسكندر، وكان لها مدرسة في حزان، وهي التي تسمت بالصابئة، وقد ترجموا كتبا يونانية كثيرة إلى السريانية، ثم إلى العربية.

كما كان هناك فلسفة هندية وفارسية، وإن كانت فلسفتهم أقل انتشارا من الفلسفة اليونانية، وكان للهند مدرسة في جنديسابور كانت تدرس فيها علوم اليونان، والهند على السواء.

كل هذه كانت تتسرب منها تعاليم إلى التصوف بعد عصره الأول.

| هوامش

الفصل الثاني

| ما هو التصوف؟

وبعد، فما هو التصوف ...؟ ربما كان ابن خلدون خير من أوضح معناه فقال:

وأصلها - أي طريقة التصوف - العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني، وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية ...» ثم قال: «ثم لها آداب مخصوصة، واصطلاحات من ألفاظ تدور بينهم؛ إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة، فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا في التعبير عنه بلفظ متيسر فهمه منه ... وصار علم الشريعة على صنفين: صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا، وصنف مخصوص بالقوم في الكلام في المجاهدة، ومحاسبة النفس عليها، والأذواق، والمواجيد العارضة في طريقها، وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق ... ثم إن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحس، والاطلاع على عوالم من أمر الله، ليس لصاحب الحس إدراك شيء منها ... وسبب هذا الكشف أن الروح إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن، ضعفت أحوال الحس، وقويت أحوال الروح، وغلب سلطانه ... ولا يزال في نمو وتزيد إلى أن يصير شهودا بعد أن كان علما.

وقد وفق ابن خلدون في إرجاع عناصر التصوف إلى أربعة: (1)

الكلام في المجاهدات، وما يحصل من الأذواق والمواجيد، ومحاسبة النفس على الأعمال. (2)

الكلام في الكشف، والحقيقة المدركة من عالم الغيب. (3)

التصرفات في العوالم، والأكوان، وأنواع الكرامات. (4)

ألفاظ موهمة الظاهر نطق بها أئمة القوم، فتعرف بالشطحات تستشكل ظواهرها، فمنكر لها، ومستحسن، ومتأول.

والتصوف يعتمد على الذوق والمواجيد أكثر مما يعتمد على المنطق، والعقل في نظرهم أداة غير صالحة، إن استطاع إدراك ظواهر الأشياء فهو لا يصلح مطلقا في استكناه الحقيقة؛ لأن العقل لا يعرف إلا ما يقع عليه الحس، أي لا يعرف الأشياء إلا في ظواهرها، أما الأشياء في حقائقها، وكنه وجودها فمن وراء طاقته أبدا. والصوفية تمتاز بتمجيد الله، والخوف منه، والإحساس العميق بضعف النفس، والخضوع التام لإرادة الله القوية، والاعتقاد التام بوحدانيته.

وبعضهم عرفه بوصف المتصوف، فقال رويم البغدادي: «التصوف مبني على خصال: التمسك بالفقر والافتقار، والتحقق بالبذل، وترك الغرض والاختيار».

وقال الكرخي: «التصوف هو الأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الخلائق»، وقال الجنيد: «أن تكون مع الله بلا علاقة»، وقال ذو النون: «أن لا تملك شيئا، ولا يملكك شيء»، وقيل للحصري: «من الصوفي عندك ...؟ فقال: الذي لا تقله الأرض، ولا تظله السماء».

1

ومن أول ما ظهر من فلسفة المعاني الصوفية فلسفة الحب في قول رابعة العدوية:

أحبك حبين حب الهوى

وحبا لأنك أهل لذاكا

فأما الذي هو حب الهوى

فشغل بذكرك عمن سواكا

وأما الذي أنت أهل له

فكشفك لي الحجب حتى أراكا

فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي

ولكن لك الحمد في ذا وذاكا

قال الغزالي في الإحياء: «ولعلها أرادت بحب الهوى حب الله لإحسانه إليها، وإنعامه عليها بحظوظ العاجلة، وأرادت بحبه لما هو أهل له الحب لجماله وجلاله الذي انكشف لها، وهو أعلى الحبين وأقواهما»، ولذة مطالعة جمال الربوبية هي التي عبر عنها رسول الله؛ حيث قال حاكيا عن ربه: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.»

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٨٥