تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتتابع الشيعة على هذا المنوال، فألف ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة قصائد سبعا كالمعلقات السبع، سماها «القصائد السبع العلوية»، الأولى: في ذكر فتح خيبر، والثانية: في ذكر فتح مكة، والثالثة: في وصف النبي، والرابعة: في واقعة الجمل، والخامسة: في وصف علي، والسادسة: في وصفه أيضا ومدحه، والسابعة: في أوصافه. فمثلا يقول في وصفه:

ولقد بكيت لقتل آل محمد

بالطف حتى كل عضو مدمع

وحريم آل محمد بين العدا

نهب تقاسمه اللئام الرضع

تالله لا أنسى الحسين وشلوه

تحت السنابك بالعراء موزع

متلفعا حمر الثياب وفي غد

بالخضر من فردوسه يتلفع

تطأ السنابك صدره وجبينه

والأرض ترتجف خيفة وتضعضع

لهفي على تلك الدماء تراق في

أيدي أمية عنوة وتضيع ... إلخ إلخ.

وعلى الجملة، فالثروة الأدبية التي تركها الشيعة في العويل والبكاء، ومدح الخلفاء ثروة كبيرة. وإذا نحن قلنا: الأدب الشيعي، فهو بعينه أدب معتزلي؛ لأن الأدب البويهي كان أدبا شيعيا معتزليا.

| الصوفية

الفصل الأول

| نشأة التصوف

التصوف

1

نزعة من النزعات، لا فرقة مستقلة كالمعتزلة، والشيعة، وأهل السنة، ولذلك يصح أن يكون الرجل معتزليا وصوفيا، أو شيعيا وصوفيا، أو سنيا وصوفيا، بل قد يكون نصرانيا أو يهوديا أو بوذيا وهو متصوف،

2

وهذا لا يمنعنا من عقد فصل لهم كما فعل الفخر الرازي من قبل.

ومن المؤلفين من يجعل الصوفية طائفة من أهل السنة، قال ابن السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: «اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة لذلك، وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف:

الأولى:

أهل الحديث، ومعتمد مبادئهم الأدلة السمعية: الكتاب، والسنة، والإجماع.

الثانية:

أهل النظر العقلي، وهم الأشعرية ، والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي، وهم متفقون في المبادئ العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه.

الثالثة:

أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومبادئهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكف والإلهام في النهاية».

وقد اختلف الناس في نسبة الكلمة: هل هي من الصفة، أو من الصفاء، أو من «سوفيا»، وهي باليونانية بمعنى الحكمة، أو من الصوف، ونحن نرجح أنها نسبة إلى الصوف؛ لأنهم في أول أمرهم كانت هذه الفرقة تلبس الصوف اخشيشانا وزهادة، كما نرجح أنها كانت ترتكن في أول أمرها على أساس إسلامي، فركنا التصوف أول ما ظهرا هما: الزهادة، وحب الله. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تزهد في الدنيا، وتقلل من شأنها مثل:

ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر (التكاثر: 1، 2)، و

المال والبنون زينة الحياة الدنيا (الكهف: 46)، و

واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض (الكهف: 45) الآية. ووجد رجال كثيرون من أول الإسلام عرفوا بالزهادة كرجال الصفة، وأبي ذر الغفاري، ووجد بعد ذلك الحسن البصري، وقد كان إماما كبيرا أثرت عنه الأقوال الكثيرة في ذم الدنيا، والخوف من الله، وكان حزينا حزنا مفرطا، حتى قالوا: إنه كان دائما كأنه عائد من جنازة، ولكن كل هؤلاء لم يطلق عليهم متصوفون بالمعنى الذي عرف بعد، وحتى الحسن البصري هذا لم يترجمه القشيري في رسالته التي ترجم فيها للصوفية.

والركن الثاني في التصوف هو الحب الإلهي، وفي القرآن:

والذين آمنوا أشد حبا لله (البقرة: 165)، وفي الحديث: «نعم العبد صهيب! لو لم يخف الله لم يعصه.»

فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه (المائدة: 54)، ولكن لما فتحت الفتوح الإسلامية، واختلطت الثقافات المختلفة، وكانت تموج في المملكة الإسلامية الفلسفة اليونانية، وخاصة الأفلاطونية الحديثة، والنصرانية، والبوذية، والزرادشتية، وجدنا أن هذا الزهد، وهذا الحب الإلهي يتفلسفان، وتتسرب إلى التصوف بعض تعليمات من كل هذا.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٨٤