تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الدولة البويهية، فقد كانت كذلك معتنية بالعلم والأدب، لقد بدأت حياتها تتعصب للأدب الفارسي، ولكن ما لبثت أن تثقفت الثقافة العربية، وتعصبت لها، ونبغ من ملوكهم من كان يشارك العلماء والشعراء في شعرهم وأدبهم، مثل: عضد الدولة البويهي، وكان وزراء استنوا سنتهم، وعنوا بالأدب، على رأسهم هؤلاء الأقطاب الأربعة: ابن العميد، والصاحب بن عباد، والوزير المهلبي، وابن سعدان. وقد كان كل عظيم الجاه، يقصد إليه الأدباء والعلماء، وكان لكل ميزة، كان الصاحب بن عباد ميزته الأدب البحت، وهو في مجالسه يعلم الأدباء بالنقد، ويقترح عليهم نظم الشعر في موضوعات معينة، أو إجازة بعض الأبيات، وابن العميد كانت ميزته العلم والأدب، ويضم إليه طائفة من المتخصصين في هذا، وابن سعدان كان يعنى بالفلسفة، ويجالس الفلاسفة أمثال: أبي حيان التوحيدي، ويثير في مجالسه مسائل فلسفية، والوزير المهلبي كان يعنى بالأدب الصرف، وفي التأليف في الأدب، ومن جلسائه أبو الفرج الأصفهاني، وله ألف كتابه الأغاني، والقاضي التنوخي وغيرهم، هؤلاء ملأوا الدنيا علما وأدبا.

ومن الآثار الأدبية الشيعية أشعار الشريف الرضي، وما في ديوانه مما يتعلق بالتشيع كثير، وكان يدور في فلكه مهيار الديلمي، فيقول القصائد الشيعية العديدة.

وكانت مقاتل الطالبيين، واضطهادهم باعثا لأدباء الشيعة على النوح والبكاء والعويل الذي لا ينفد، كالذي يقول الناشئ:

بني أحمد قلبي لكم يتقطع

بمثل مصابي فيكم ليس يسمع

عجبت لكم تفنون قتلا بسيفكم

ويسطو عليكم من لكم كان يسمع

كأن رسول الله أوصى بقتلكم

وأجسامكم في كل أرض توزع

وللناشئ هذا بائية مشهورة جدا في البكاء والنحيب، مطلعها:

رجائي بعيد والممات قريب

ويخطئ ظني والمنون تصيب

وكان له أشعار كثيرة لا تحصى في النواح والبكاء.

وللصاحب بن عباد نحو عشرة آلاف بيت في مناقب أهل البيت، والتبرؤ من أعدائهم، ومما ينسب إليه قوله وهو من أفظع الهجاء:

قالت تحب معاويه

قلت اسكتي يا زانيه

قالت أسأت جوابنا

فأعدت قولي ثانيه

يا زانية يا ابنة ألفي زانيه

أأحب من شتم الوصي علانيه

فعلى يزيد لعنة

وعلى أبيه ثمانيه

ومن شعر مهيار الديلمي في ذلك:

وقائل لي علي كان وارثه

بالنص منه فهل أعطوه أو منعوا

فقلت كانت هناك لست أذكرها

يجزي بها الله أقواما بما صنعوا

هم رجال إذا سميتهم عرفوا

لهم وجوه من الشحناء تمتقع

ما زلت مذ يفعت سني ألوذ بكم

حتى محا حقكم شكي فأنجع

وله في رثاء الحسين:

مصابي على بعد داري بهم

مصاب الأليف في فقد الأليف

وليس صديقي غير الخيرين

ليوم الحسين وغير الأسوف

قتيل به ثار غل النفوس

كما فغر الجرح حك القروف

نسوا جده عند عهد قريب

وتالده مع حق طريف

وممن تشيع من كبار الكتاب أبو بكر الخوارزمي، كان شيعيا متعصبا لأهل البيت، صريحا في مواجهته لهم، مسلطا قلمه على خصومهم. وللتشيع هذا أثر قوي في رسائله، فهو لا يترك فرصة دون أن يستغلها في هجاء خصومه، أو مدح رؤساء الشيعة، أو إظهار التوجع والتفجع لما أصاب أهل البيت من ظلم وقتل وغصب. فإذا كتب رسالة إلى جماعة الشيعة في نيسابور أسهب وأطال فيما أصاب أنصار الشيعة من قتل، وتشريد، ومنحة، وبلاء أيام الأمويين والعباسيين بأسلوب تسوده نغمة الحزن والكآبة، فيقول: «وأنتم ونحن - أصلحنا الله وإياكم - عصابة لم يرض الله لنا الدنيا، فذخرنا للدار الأخرى، ورغب بنا عن الثواب العاجل، فأعد لنا الثواب الآجل، وقسمنا قسمين: قسما مات شهيدا، وقسما عاش شهيدا، فالحي يحسد الميت على ما صار إليه، ولا يرغب بنفسه عما جرى إليه. قال أمير المؤمنين: المحن إلى شيعتنا أسرع من الماء إلى الخدور، فإذا كنا شيعة أئمتنا في الفرائض والسنن، ومتبعي آثارهم في كل قبيح وحسن؛ فينبغي أن نتبع آثارهم في المحن. غصبت سيدتنا فاطمة ميراث أبيها يوم الثقيفة، وأخر أمير المؤمنين عن الخلافة، وسم الحسن سرا.» وعلى هذا النحو يمضي في رسالته معددا مصائب الشيعة، هاجيا آل مروان، وآل الزبير، وبني العباس هجاء لاذعا عنيفا.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٨٣