فلا تحسبن هندا لها الغدر وحدها
سجية نفس كل غانية هند
نعم، إن هنا وهناك في هذا الجانب أو ذاك، بعض رؤساء اشتهروا بالعدل والتقوى، ولكن بجانبهم آخرون هنا وهنا أيضا اشتهروا بالظلم. ولم ينفع صاحب الزمان المختفي المعصوم في أن يرد الظالم عن ظلمه، لقد كان سيف الدولة ابن حمدان الشيعي نهابا وهابا، فكان يولي قاضيا، فيقول القاضي: «من هلك فلسيف الدولة ما ملك.»
ولذلك مع حكم الدولة الفاطمية المصريين طويلا لم يستطيعوا أن يشيعوا المصريين تماما، فاستطاع صلاح الدين أن يردهم إلى السنية في سهولة. ويحدثنا المؤرخون أن الظاهر وهو الخليفة الفاطمي كان شابا يحب الملاهي، وينغمس في النعيم، حتى اغتصب الملك منه وزيره الكردي ابن السلار، كما يحدثونا أن مدة حكمهم، وهي نحو القرنين، ونصف قد امتلأت بالدسائس، والخصومات، وساءت أحوال الشعب لتعاقب المجاعات والمحن، وازداد الفقر في سني القحط، وقلت الموارد؛ فازدادت الضرائب، وكثرت المصادرات. وتقرأ الخطط للمقريزي فترى ما كان في قصور الخلفاء من تحف وخدم وجواهر، بينما كان الشعب في بؤس، فالحال هنا كالحال هناك، وغاية الأمر أن الحكم الشيعي يستند إلى إمام معصوم لا يقبل النقد، والحكم السني يستند إلى خليفة غير معصوم، معرض للخطأ والصواب، قابل للنقد.
الفصل الثامن
| الأدب الشيعي
كان للشيعة دولتان ضخمتان: الدولة الفاطمية في المغرب ومصر والشام، والدولة البويهية في فارس والعراق. وكان لكل حضارة ضخمة فيها شعر، وفيها فن، وفيها علم؛ فكان للدولة الفاطمية شعر كثير، من مبدأ ابن هانئ الذي ملأ شعره مديحا في خلفاء الدولة الفاطمية، والخلفاء يجزلون له العطاء، وهم يفرطون في المديح له حتى يخرجوا بهم إلى صف الآلهة، وقلده الشعراء بعده، فمن شعره مثلا:
لي صارم وهو شيعي كحامله
يكاد يسبق كراتي إلى البطل
إذا المعز معز الدين سلطه
لم يرتقب بالمنايا مدة الأجل
ويقول:
هو علة الدنيا ومن خلقت له
ولعلة ما كانت الأشياء
فعنت لك الأبصار وانقادت لك ال
أقدار واستحيت لك الأنواء
لا تسألن عن الزمان فإنه
في راحتيك يدور حيث تشاء
ويقول:
تدعوه منتقما عزيزا قادرا
غفار موبقة الذنوب صفوحا
أقسمت لولا أن دعيت خليفة
لدعيت من بعد المسيح مسيحا
شهدت بمفخرك السموات العلا
وتنزل القرآن فيك مسيحا
ويقول:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار
فاحكم فأنت الواحد القهار
وكأنما أنت النبي محمد
وكأنما أنصارك الأنصار
هذا الذي تجدي شفاعته غدا
حقا وتخمد إذ تراه النار
وهكذا جاء الشعراء بعده فاتبعوه، وأفرطوا في مديح الخلفاء، واستمروا على ذلك إلى أن كان آخرهم عمارة اليمني.
وبين ابن هانئ وعمارة شعراء لا يحصون عدا، كتميم بن المعز، وكلهم على نمط ابن هانئ في المديح، كالذي يقول أبو الحسن علي بن محمد الأخفض في الخليفة الآمر:
إلى ذروة المجد العلائي إنه
إلى ذروة النور الإلهي ينسب
ويقول في مدح الخليفة الحافظ:
بشر في العين إلا أنه
من طريق العقل نور وهدى
جل أن تدركه أعيننا
وتعالى أن تراه جسدا
فإذا نحن تجاوزنا الشعراء، وجدنا المجالس تموج بالحركة الثقافية من أول عهد النعمان داعي الدعاة، وقد كان يجلس للدرس والمحاضرة إلى عهد يعقوب بن كلس، فقد كان يعقد درسا في بيته كل أسبوع، يقرأ عليهم مؤلفاته، وخصص ديوانا من بيته لكل طائفة من الأدباء والعلماء.
وأنشأ الفاطميون خزائن الكتب، وشجعوا نقلها، والعناية بها، ووقفوا الأوقاف على استنساخها، حتى كانت دار الحكمة تموج بالناسخين والمطالعين. فإن نحن تجاوزنا إلى الطرف الفنية التي كانت تملأ القصور، والتي يدل عليها ما أخرج من القصور أيام صلاح الدين، وما بيع منها أخذنا العجب من ذلك، هذا إلى احتفالاتهم بالأعياد، وإقامة الولائم في عيد الفطر، وفي الأضحى ... إلخ. وعلى الجملة، فقد خلفوا حضارة تعتني بالعلم، والأدب، والفن إلى آخر مدى.