تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما قوي أمره، وتمكن من نهب كثير من الأموال والمراكب البحرية التي تحمل أموالا كثيرة للتجارة، هجم على البصرة، وأوقع القتل في أهلها، وأمر الزنوج بوضع السيف فيهم، وأوقع بذلك الرعب في البلاد، واستخفى من سلم من أهل البصرة في آبار الدور، فكانوا يظهرون ليلا، ويطلبون الكلاب فيذبحونها ويأكلونها، ويأكلون الفئران والسنانير، وصار إذا مات الواحد منهم أكلوه. وظل الزنج على ذلك سنين وتغلبوا على البطيحة وواصف وخربوهما، حتى إنه أخيرا جمع أبو العباس بن أبي أحمد جمعا كثيرا، ونشبت حرب بين الفريقين؛ فهزمت الزنج، وأعملت فيهم السيوف، واختفى من فر منهم حتى زال أمرهم.

كل هذا يرينا صورة مصغرة مما حدث في تاريخ المسلمين من المكايد والمذابح والمقاتل، والناظر إلى حقيقة الأمر يرى أن الخلاف بين هؤلاء وهؤلاء مبني على شهوة الحكم، وعلى نزاع في مسائل تاريخية ذهب زمنها. والذي يرى هذه الفتن والضحايا التي ذكرنا بعضها يعجب من بقاء الدول الإسلامية بعد هذا، ولولا أن أساسها متين جدا ما بقيت، لا أمام الصليبيين، ولا أمام غيرهم. فمن العجيب أن تبقى كل هذه النكبات، وقد أدرك المأمون هذا العناء الذي يلاقيه الطرفان من عباسيين وعلويين ، فأراد أن يستريح ويجعل الأمر بعده إلى إمام العلويين؛ ظانا أن الخلاف ينقطع بذلك، ولكن ما علم أفراد البيت العباسي بذلك حتى ثاروا وزاد الخلاف بدل أن ينحسم، وحتى اضطر المأمون أخيرا إلى الرجوع عن فكرته.

رابعا: الزيدية

ومن فرق الشيعة الزيدية، وهم من أعدل الفرق؛ لأنهم يرون أن عليا أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر، ولكن أما وقد اجتمع أكثر الصحابة على بيعة أبي بكر وعمر، فلا بد أن يعترف بإمامتهما؛ لأن الصحابة إذ ذاك قدروا الظروف المحيطة بهم.

ولم يجوز الزيدية التستر والاختفاء، ولذلك كان كثير من أئمتهم يخرجون فيقتلون، ولهذا خرج زيد بن علي فقتل وصلب، وقام بالإمامة ابنه يحيى بن زيد، ومضى إلى خراسان، واجتمعت عليه جماعة كثيرة؛ فقتل أيضا وصلب. وقد فوض الأمر بعد إلى محمد وإبراهيم الإمام، وخرجا بالمدينة، وسار إبراهيم إلى البصرة فقتلا أيضا، وتوالى أئمتهم من بعده، وجروا على صحة إمامة أبي بكر وعمر، وقالوا بجواز ولاية المفضول.

وقد تتلمذ الإمام زيد لواصل بن عطاء إمام المعتزلة في الأصول، ولذلك اقترب مذهب الزيدية من الاعتزال، يقول الشهرستاني: وصارت أصحابه كلهم معتزلة.

ولذلك يختلف الزيدية في بعض المسائل عن سائر الشيعة، ولاعتدالهم لم يكن لهم حركات عنيفة في التاريخ الإسلامي.

وقد استطاع أحد زعمائهم، واسمه القاسم سنة 1633م أن يطرد الوالي التركي من اليمن، ويؤسس إمامة زيدية، ثم انتصر الأتراك سنة 1849م، فأصبحت ولاية تركية إلى أن قام الإمام يحيى سنة 1904م، ولكن الأتراك لم يعترفوا باستلال حكومة الإمام حتى سنة 1911م، ولم ينسحب الأتراك بالكلية من اليمن حتى السنة الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، ومملكة اليمن الآن مملكة زيدية.

وللزيدية مؤلفات في الأصول، والحديث، والفقه خاصة بهم، من أئمتهم المتأخرين المشهورين الإمام الشوكاني، صاحب التآليف الكثيرة في الأصول والفقه.

| هوامش

الفصل السابع

| الدولة الفاطمية

وقد أتيحت الفرص للشيعة أن يحكموا، ومن أبرز ذلك الدولة الفاطمية في المغرب ومصر والشام، وبقاؤها في الحكم مدة طويلة. والحق أنهم أقاموا ملكا كبيرا مترامي الأطراف، وقد بثوا الروح القومية في مصر حتى شعروا بأنها دولة مستقلة، ولما زار البلاد ناصر خسرو وصف البلاد وصفا يدل على حضارة فائقة.

وأداروا البلاد على نظام يشبه النظام الفارسي القديم، وشجعوا العلم والأدب والفن تشجيعا كبيرا، كما أسسوا دور الكتب الكثيرة، ولا تزال أبنيتهم مضرب المثل في عظم العمارة الإسلامية، وكذلك ما وصل إلينا من تحفهم الدقيقة، ولكن طالما كان الشيعيون ينعون على العباسيين ترفهم، وإفراطهم في الملاهي، والملذات، وتعصبهم الشديد عليهم، فلما ملكوا هم، وملك زملاؤهم بنو بويه العراق، وما حولها، لم نجد في الحكم فرقا كبيرا، فالإسراف في الترف هو الإسراف في الترف، والظلم أحيانا هو الظلم، والتعصب هنا كالتعصب هناك، فإن تعصب الأمويون والعباسيون فهاجموا، فقد تعصب العلويون والبويهيون والإسماعيليون فانتقموا؛ حتى صح قول القائل:

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٨١