وجاء زعيم اسمه أبو سعيد الجنابي، فأنشأ فرعا كبيرا في بلاد الأحساء من بلاد البحرين، وتعاونت الفروع كلها للعمل ضد الخلافة العباسية، واتبعها قوم في السر حتى في بغداد مركز الخلافة، وحتى في بلاط الخليفة نفسه يمدون رؤساءهم بالمعلومات، ويبثون الدعوة إليها سرا، وكانوا ينتهزون من الفرص التي تضع من شأن العباسيين كتصرفاتهم السيئة أحيانا، وضعف من يلي الأمر من خلفائهم، فإذا أحسوا ضعفا نشطوا في الدعوة، وخرجوا على الدولة.
فلما انتشرت الدعوة في البحرين انتشارا كبيرا في عهد الخليفة المعتضد أرسل جيشا لمقاومة الحركة، ولكن جيش الخليفة انكسر، وأسر قائده، وتبددت جنوده، وقتل من وقع في الأسر منهم، وقد استولى الثوار القرامطة على مدينة حجر عاصمة البحرين، كما استولوا على اليمامة، وعلى عمان، ولما قاد الحركة القرمطية أبو طاهر سليمان وسع نفوذه، وكان يزحف تارة على البصرة وبغداد، وطورا إلى الحجاز، وكان ينتصر في كل غزواته تقريبا، وقد دخل أبو طاهر هذا مكة، وسلب الكعبة، وقتل الحجاج. ويحدثنا المؤرخون أن الذين قتلهم القرامطة في تلك السنة من الحجاج نحو ثلاثة آلاف غير الذين ماتوا من الجوع ، وغير من وقع أسيرا، وكان من بين من أسر الأزهري اللغوي العالم المشهور، وقد غنم أبو طاهر ملايين الدنانير إذ ذاك، وأرسل جزءا منها إلى الإمام الشيعي، وأنفق الباقي على أتباعه، وكان للقرامطة جواسيس يبلغون رؤساءهم كل حركة من العباسيين، وخاف الناس منهم جدا، خصوصا لقطعهم الطرق على السابلة، وعجزت الخلافة العباسية عن كحب جماحهم.
وقد زحف القرامطة على البصرة، ونهبوها سنة 315ه حتى ضج الناس، وشملهم الرعب، ونسبوا انتصارهم إلى قوى روحية تساعدهم، والحق أن قوتهم كانت في قوة إيمانهم بعقيدتهم مما يدعوهم إلى ثباتهم، بينما خصومهم لا يحاربون عن عقيدة، وقد هاجم القرامطة مكة مرة أخرى، ودخلها أبو طاهر، وأصحابه يقتلون أهلها، ومن كان فيها من الحجاج، حتى من تعلق فيها بأستار الكعبة، وهدم زمزم، وفرش بالقتلى المسجد، وأقام بمكة ستة أيام، وهو يحرض أصحابه على القتل، وينتقل من مكان إلى مكان، ويقول: «أجهزوا على الكفار، وعبدة الأحجار.» وأقام أبو طاهر وأصحابه اثني عشر يوما يقتلون وينهبون، ويأتون من الأفعال ما تقشعر منه الأبدان، فهل هذا يحقق ما كانوا يقولونه من أنهم يريدون القضاء على الدولة العباسية لنشر العدل والأمن بين الرعية؟!
وكان من جملة ما نهبه القرامطة من مكة الحجر الأسود، وبقي هذا الحجر في الأحساء ملقى في إحدى زوايا المدينة مهجورا إلى سنة 339ه؛ حيث رده القرامطة بأمر من المنصور الفاطمي.
مضت سنة على هذه الحوادث الأليمة، والخلافة لم تستطع تعقبهم، ولا تأديبهم، فلما رأى القرامطة ضعف الخلافة، زحف أبو طاهر مرة أخرى على الكوفة واحتلها، واضطر الخليفة أن يعقد معه هدنة، ويؤدي له مائة وعشرين ألف دينار كل سنة.
ثم توفي أبو طاهر سنة 332ه، فاكتفى خلفاء أبي طاهر بما فتحوه من البلاد، ولم يعودوا يتطلعون إلى فتوحات جديدة، وسبب آخر أنه كان قد سقطت الدولة العباسية في يد بني بويه الشيعيين، فصادقوهم، وأحسنوا الصلات بينهم.
ثالثا: الزنج
ومن هذا القبيل أيضا ما عرف التاريخ بثورة الزنج، وكان لها شأن كبير في تاريخ المسلمين.
ظهر صاحب الزنج هذا في فرات البصرة سنة 225ه، وهو رجل زعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وبعض العلويين ينكر نسبته إليهم. وقد كان في هذه البقعة عدد كبير من الزنج الذين كانوا يكسحون السباخ في البصرة. وقد استغل زعيم الزنج هذا استياءهم من عملهم، وكراهيتهم لأصحاب رءوس الأموال، وكراهيتهم للحكم العباسي الذي يقر هذا العمل، فالتفوا حوله، وكان متصلا بحاشية السلطان يطلعونه سرا على الأمور، وكان فصيحا خطيبا يؤثر في سامعيه، حتى اجتمع له عدد كبير منهم. وانتشر أتباعه في الأحساء، وما حولها، وادعى الولاية، وأنه يلهم بما يعمل، وما لا يعمل. وما زال يحبب الناس في مذهبه، وخاصة الغلمان، ويمني أتباعه، ويعدهم حتى اتبعه عدد كبير، ثم تأتيه الأموال من أتباعه، ويفرقها عليهم.