تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانوا يشككون من دخل مذهبهم في عقائدهم الأصلية، ومبادئهم السياسية، والأدبية، والاجتماعية، ويفهمونه أن مذهب الجمعية هو العلم الصحيح، وقد نجحوا في أغلب دعواتهم عند أكثر الناس، ولم تخطئ فراستهم إلا قليلا، والقارئ للكتب التي ألفت من المخالفين لهم كالغزالي والبغدادي، يجب أن يحذر من أقوالهم التي لا تمثلهم تماما لما فيها من بعض المبالغات.

وقد كان الإسماعيلية يؤولون الآيات والأحاديث تأويلا غير ما يدل عليه ظاهرها، ولذلك سموا بالباطنية، وذلك كالتأويلات التي نراها في رسائل إخوان الصفاء، كالبعث والنشور، وخلود النفس، ونحو ذلك، فكلها لها معنى باطني.

هذا مبدؤهم الديني: تأويل لكل ما ورد به الشرع، ووراء ذلك كانت لهم مبادئ سياسية واجتماعية، فمبدؤهم السياسي أن يطوحوا بالدولة العباسية وخلفائها، وأن يحلوا محلهم الأئمة الشيعية، وقد نجحوا في ذلك إلى حد كبير، فإن لم تنجح وسائلهم السلمية، فلا بأس أن تستعمل الوسائل الحربية. ويظهر أيضا أن من أغراضهم الاجتماعية إزالة المظالم التي كان يرتكبها العباسيون، وأمراؤهم وتوزيع العدل بين الناس، وهذا مقصد نبيل حقا، ولكن يظهر لي أنه لما أتيحت لهم الفرص، وحل الشيعة محل العباسيين في بعض الممالك، لم يطبقوا العدل تطبيقا دقيقا، بل وقع بعضهم في مثل ما وقع فيه العباسيون، وقد دعاهم موقفهم، واستجلاب الناس لهم إلى أن ينشروا الدعوة إلى الإخاء بين الناس بقطع النظر عن الخلاف في الجنسية، أو الطبقة، أو الدين، فإن هذا من غير شك يرغب في قبول دعوتهم، خصوصا وقد تعلموا أنه مما أفسد الأمر على بني أمية، وعلى بني العباس عصبيتهم الشديدة، وقد جعلهم هذا ينشرون دعوتهم بين أهل الأديان المختلفة، والطبقات المختلفة، والأحزاب المختلفة.

وقد جرأ انتشار مذهبهم على أقوال لا تقرها السنية، كأشعار أبي العلاء في اللزوميات، وبعض أشعار ابن هانئ الأندلسي، وكقول الصاحب بن عباد:

دخول النار في حب الوصي

وفي تفضيل أبناء النبي

أحب إلي من جنات عدن

أخلدها بتيم أو عدي

3

وأبو العلاء وإن لم يكن شيعيا، فقد تسربت إليه بعض آراء الشيعة، وينسب إلى أحدهم أنه قال:

وما الخير إلا كماء السما

ء حلال فقدست من مذهب

وقد أدرك بنو العباس، ومن تبعهم خطر هذه الحركات عليهم، فهاجموهم وانتقموا منهم، يقول عماد الدين الهمذاني: «إن أحد أمراء خراسان قتل في مدة قليلة أكثر من مائة ألف من الباطنية، وبنى من رءوسهم بالري منارا أذن عليه المؤذنون.» وفي كتاب الفرق أن محمود بن سبكتكين سلطان غزنة قتل في مدينة مولتان من أرض الهند الألوف، وقطع أيدي ألف منهم، وباد بذلك نصراء الباطنية من تلك الناحية.

4

ومن هذا الاضطهاد، والهجوم العباسي كانت وسائلهم، واضطهادهم مبعثا لتغلغلهم في كل مرفق من مرافق الحياة، فلم تجد عملا من الأعمال إلا وتجد خلايا من خلاياهم تعمل لبث دعوتهم، أو إفساد الحكم على العباسيين، وقد كادوا يقضون على دولة العباسيين لولا أنه دخل عنصر جديد انضم إلى العباسيين في الدفاع عنهم، وهو العنصر التركي، فقد شارك العباسيين في السنية، والفتك بالإسماعيلية حتى ألجأهم إلى الفرار للجبال والبلاد البعيدة، ومع هذا كله لم تنمح الإسماعيلية، بل ظلت تنبسط وتنقبض، وتضيق وتتسع حسب الظروف حتى يومنا هذا، وربما اتخذت أسماء مختلفة كالبابية، والبهائية، والدروز، وغيرها.

ثانيا: القرامطة

هي فرقة من فرق الإسماعيلية، كان مركزها في أول الأمر مدينة واسط بين الكوفة والبصرة وما حولها، وكان يسكن هذه البلاد خليط من العرب، والنبط، والسودان، وأكثرهم كانوا فقراء مستائين من حكومتهم، ومن أصحاب الأراضي الذين يستغلونها ... ولهذا لبوا دعوة القرامطة.

واشتهر من أول الدعاة حمدان القرمطي، وقد عرفت الدعوة باسمه، وقد كان حمدان هذا أكارا بسيطا بعثه أحد كبار دعاة العلوية ليدعو نيابة عنه في تلك البلاد، فبنى مركزا جديدا للدعوة الإسماعيلية قرب الكوفة، سماه دار الهجرة، واتخذه مكانا للدعوة والوعظ، فدخل في دعوته كثير من الناس، وقد فرض الضرائب على أتباعه يصرف منها على الفقراء والتأسيسات، وقد روي عنه أنه جمع من أتباعه أموالا كثيرة، وزعها على المحتاجين من القرامطة، حتى لم يبق بينهم فقير، ولذلك يمكن أن يعدوا من أول الجمعيات الاشتراكية، وكان دعاتهم يدعون إلى مؤاخاة الناس على اختلاف دياناتهم، وطبقاتهم، وأجناسهم ... وتحمس الأتباع لهذه الدعوة، وانتشرت دعوة القرامطة من واسط إلى كثير من البلاد العربية المجاورة لها، والبعيدة عنها، حتى وصلت إلى جنوبي جزيرة العرب.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٧٩