تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلو نظرنا إلى النفوس والجهود والأموال التي أتلفت بين طوائف المسلمين، وخصوصا الشيعة والسنية، وما جرى للشيعة من عهد علي، وخلفائه مما يشرحه كتاب «مقاتل الطالبيين» لأبي الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني، وما جاء في كتب التاريخ بعده أخذنا العجب، وأدركنا أن هذه القوى التي بذلت بين المسلمين كانت تكفي في سهولة لطرد الصليبيين، وكفهم عن العبث بالبلاد ، وكان الكف عن قتالهم فيما بينهم يكفي لإصلاح حالة المسلمين اجتماعيا واقتصاديا إصلاحا ليس له نظير، ولكن هكذا قدر، وهكذا كان، فضاعت المجهودات عبثا، بل ضاعت في التخريف والتبديد من عصر الخلفاء الراشدين إلى اليوم، ولو تدبر الفريقان لرأوا أن الخلاف كان أكثره على مسائل أصبحت في ذمة التاريخ، ولم يصبح للخصومة عليها معنى، ولكن ماذا نعمل، والعقول ضيقة، وفي الناس من يثير الخصومات كسبا للمال، وحفظا لمنزلته في أسرته، أو شهوة للحكم.

الفصل الخامس

| عواطف أهل الشيعة

ولئن أمعن المتكلمون من المعتزلة والسنية في الحجج العقلية، والقوانين الدقيقة المنطقية، فقد غلبت على الشيعة العواطف، لقد أحبوا آل البيت حبا عاطفيا، وكرهوا جدا من عاداهم، وتأثروا تأثرا شديدا ممن عذبهم، أو قتلهم، أو حبسهم، ولم يكتفوا بالعواطف المجردة، بل أرادوا الانتقام ممن عذبهم، وحاولوا مرارا قلب حكمهم، وهذه كلها شأن العواطف، أما مقدمة صغرى وكبرى، وقياس، وأشكال قياس، فهذه صبغة المعتزلة والسنية، ولكل طابعه.

دعت هذه العواطف عند الشيعة، وتعظيم الأولياء، وفكرة الاستشفاع بهم إلى مظهر واضح ربما تأثر به المسلمون جميعا، وهو إقامة الأضرحة، والعناية بها وتزيينها، وزيارتها، والاستشفاع بها، وكثرة الدعوات عندها، وتمني الدفن بجوارها، وإن كانت هذه العادات عند السنيين والمسلمين فهي عند الشيعة أقوى، وربما كانت هي الأساس، من ذلك مثلا مشهد الإمام علي بالنجف، وهو يبعد عن الكوفة نحو أربعة أميال، قد حشد فيه من قديم الفن الفارسي من خط جميل، وقاشاني، وتحف فنية ذهبية، وغير ذلك، والزائر لهذا المشهد يرى ساحات واسعة ملئت بالقبور كما يرى مئات القباب المختلفة الألوان، وقد سلم هذا المشهد من تخريب هولاكو؛ لأن الشيعة كانت قد ساعدته ليستعينوا به على السنية الذين كانوا قد آذوهم، يقول ابن بطوطة في رحلته: «ثم رحلنا، فنزلنا من مشهد علي بن أبي طالب بالنجف، وهي مدينة حسنة ... وأهل هذه المدينة كلهم رافضة ... وحيطان هذه الروضة منقوشة بالقاشاني، والقبة مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه، وبها قناديل الذهب والفضة ... وفي المدينة خزانة كبيرة تجمع بها النذور من الناس في بلاد العراق وغيرها، من يصيبه المرض ينذر للروضة نذرا إذا برئ ... وهذه الروضة ظهرت لها كرامات.»

وقد وردت أحاديث كثيرة عن الأئمة الشيعيين في فضل زيارة قبر علي، كالذي رواه جعفر الصادق أنه قال: «من زار أمير المؤمنين عارفا بحقه غير متجبر، ولا متكبر، كتب الله له أجر مائة شهيد، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.» وأتى رجل الإمام الصادق، وأخبره أنه لم يزر أمير المؤمنين فقال له: «بئس ما صنعت لولا أنك من شيعتنا ما نظرت إليك، ألا تزور من يزوره الله والملائكة، ويزوره الأنبياء، ويزوره المؤمنون. قال: جعلت فداك، ما علمت ذلك، قال: فاعلم أن أمير المؤمنين أفضل عند الله من الأئمة كلهم، وله ثواب أعمالهم، وعلى أعمالهم فضلوا.»

1

وعلى الزائر حين يزور أن يتلو دعاء الزيارة وهو: «السلام عليك يا ولي الله، يا حجة الله، يا خليفة الله، يا عمود الدين، يا وارث النبيين، يا قسيم الجنة والنار، يا صاحب العصا والميسم، يا أمير المؤمنين: أشهد أنك كلمة التقى، وباب الهدى، والأصل الثابت، والجبل الراسخ، والطريق الحق؛ أشهد أنك حجة الله على خلقه، وشاهده على عباده، وأمينه على علمه، ومستودع أسراره، ومعدن حكمته، وأخو رسوله، أشهد أنك أول مظلوم، وأول من غصب حقه، فصبر وانتظر، لعن الله من ظلمك، وغصب حقك وعاداك، لعنة عظيمة يلعنه بها كل ملك كريم، ونبي مرسل، ومؤمن صادق، ورحمة الله عليك يا أمير المؤمنين، وعلى روحك وجسدك ... إلخ.» وهم يروون دعاء مخصوصا دعا به أحد الأئمة، وهذا الحديث يرينا مقدار أثر الإمام جعفر الصادق في تلوين التشيع وأثره.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٧٦