وقد يستدلون بقوله تعالى:
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (الأحزاب: 33).
وأهم فرق الإمامية فرقة تسمى «الاثنى عشرية»، وسميت بذلك لأنها تقول باثني عشر إماما، أولهم علي، عكس فرقة أخرى تسمى السبعية؛ لأنها تقف عند الإمام السابع وهو إسماعيل، ولذلك يسمون الإسماعيلية، وبعد إسماعيل أتت أئمة مستورة.
والظاهر أنه غلب عليهم الاعتقاد بالإرث، أي أن النبي
صلى الله عليه وسلم
يورث ، أي يورث في روحانيته، كما يورث الناس في أموالهم، حتى تجادل في ذلك الشعراء. فقال دعبل الشاعر الشيعي:
أرى فيئهم في غيرهم متقسما
وأيديهم من فيئهم صفرات
هم أهل ميراث النبي إذا اعتزوا
وهم خير قادات وخير حماة
ويقول منصور النمري من شعراء العباسيين:
يا أيها الناس لا تعزب حلومكم
ولا تضفكم إلى أكنافها البدع
العم أولى من ابن العم فاستمعوا
قول النصيحة؛ إن الحق مستمع
وقد وضع ابن المعتز العباسي قصيدة في أحقية أولاد العباس، ورد عليه تميم بن المعز الفاطمي
1
على قافيتها.
ويظهر أن الإمامة في نظر الشيعة تطورت مع التاريخ، فقد كانت كلمة إمام وإمامة تطلق بالمعنى الإسلامي المعروف، فإذا قال بعض الصحابة: إن الإمام هو أبو بكر وعمر، وقال الشيعة: إن الإمام هو علي، كانوا يفهمون من ذلك أن الإمام بمعنى الرياسة والتقدم، كالإمام في الصلاة، ولكن يظهر أن الكلمة تطورت بعد ذلك إلى معنى آخر، وهو أن في الإمام معنى روحيا، فالإمام له صلة روحية بالله على نحو أقل من الصلة الروحية بين الله والأنبياء. جاء في كتاب «الكافي» للكليني، وهو من أوثق مصادرهم: «كتب الحسن بن العباس المعروفي إلى الرضا: جعلت فداك! أخبرني ما الفرق بين الرسول والإمام والنبي؟ فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام أن الرسول هو الذي ينزل عليه جبريل، فيراه ويسمع كلامه، وينزل عليه الوحي، وربما رآه في منامه نحو رؤيا إبراهيم، والنبي ربما سمع الكلام، وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص.»
2
فالإمام بهذا المعنى يوحى إليه ... قالوا: «والله أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل، إن زاد المؤمنون شيئا ردهم، وإن نقصوا شيئا أتمه لهم، وهو حجة على عباده، ولا تبقى الأرض بغير إمام ... حجة لله على عباده، ولو لم يبق في الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة، وكان هو الإمام.» وفيه أيضا: «ومن لا يعرف الله - عز وجل - ولا يعرف الإمام منا أهل البيت، فإنما يعرف ويعبد غير الله .»
3
قال أبو جعفر: نحن خزان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء، ومن فوق الأرض، والأئمة نور الله الذي قال فيه تعالى:
فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا (التغابن: 8)، ونور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار، ويحجب الله نورهم عمن يشاء؛ فتظلم قلوبهم،
4
بل زادوا على ذلك فقالوا: إن الله خلق العالم لأجلهم، وإنه قد فوض أمور الناس إليهم، وإنه بوجودهم ثبتت الأرض والسماء، وبيمنهم رزق الورى، وأنه يجب أن يكون في كل زمان منهم، وإنه من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية.
جاء في الكافي عن الصادق: «إن الأرض كلها لنا.» وروى عبد الله بن بكر الأرجاني عن الصادق قال: قلت جعلت فداك: فهل يرى الإمام ما بين المشرق والمغرب؟ قال: يا ابن بكر، فكيف يكون حجة على ما بين قطريها، وهو لا يراهم، ولا يحكم فيهم؟ إلى كثير من أمثال ذلك في الكافي وغيره.
وقد فسروا:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (النساء: 59) بأنها نزلت في علي، ورووا: «أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي؛ فإني سألت الله عز وجل ألا يفرق بينهما حتى يوردهما الحوض، فأعطاني ذلك.»
فنرى من هذا أن عقيدة الصحابة، وأهل السنة والمعتزلة في الإمام تخالف عقيدة الشيعة، الأولون لا يقدسون الإمام، ولا يرون أنه معصوم، ويرون أنه قد يخطئ؛ فيجب رده إلى الصواب، بل وقد يرتكب الكبائر فيجب رده، وأما الشيعة فيرون أن فيه صلة بالله، وأنه معصوم، وأنه لا يخطئ، وفرق كبير بين الاثنين.