تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنا أرى أن الحق مع الأولين، وأن الاعتقاد بعصمة الإمام، وروحانيته، وتقديسه تشل العقول، وتجرئ الإمام على العبث بالرعية. وقد كان الصحابة يخطئون الأئمة في بعض تصرفاتهم، ويخالف بعضهم بعضا، فهذا عمر انتقد تصرف أبي بكر مع خالد، وهذا علي خالف عمر في بعض المسائل، والصحابة أنفسهم منهم من خطأ عليا نفسه في بعض تصرفاته.

وعلى الجملة، فكانوا ينظرون إلى الإمام على أنه مخلوق كسائر الناس يصدر عنه الخطأ والصواب، فإذا أخطأ وجب تقويمه، وهكذا سير الأمم الآن في تقويم ملوكهم، وردهم إلى الصواب إن أخطأوا، ونحن نقول ذلك اتباعا للحق والعقل، لا نصرة لمذهب على مذهب.

الإمام جعفر الصادق

ويظهر أن أول من أسبغ هذا المعنى على الإمام، هو الإمام جعفر الصادق، فإنه كان من أوسع الناس علما واطلاعا، عاش من سنة 83ه إلى سنة 148ه، وقد لقب بالصادق لصدقه، وقد كانت أمه من نسل أبي بكر الصديق، فأثر ذلك في اعتداله. وقد نفعه أنه رأى من قبله من الأئمة احترق بالسياسة فابتعد عنها ... قال فيه الشهرستاني، وهو غير شيعي: «وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم، ثم دخل العراق، وأقام بها مدة ما تعرض للإمامة قط، ولا نازع أحدا في الخلافة، ثم غرق في بحر المعرفة، لم يطمع في شط، ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط، وقد قيل: من أنس بالله توحش عن الناس، ومن استأنس بغير الله نهبه الوسواس، وهو من جانب الأب ينتسب إلى شجرة النبوة، ومن جانب الأم ينتسب إلى أبي بكر، ومع ذلك لم يسلم من إيذاء أبي جعفر المنصور له، وقد كان له بستان جميل في المدينة يستقبل فيه الناس على اختلاف مذاهبهم. ويرون أنه كان من تلامذته أبو حنيفة، ومالك بن أنس الفقيهان الشهيران، وواصل بن عطاء المعتزلي، وجابر بن حيان الكيماوي، وبعض الناس ينكر هذا. وله أقوالا في الإرادة، وفي القدر، كقوله في الإرادة: «إن الله أراد بنا شيئا، وأراد منا شيئا، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أظهره لنا، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا؟!» وقال في القدر: هو أمران «لا جبر، وتفويض»، وهما مسألتان مما تكلم فيهما المتكلمون كثيرا كما رأينا، وله أقوال كثيرة منثورة في الكتب تدل على حكمته، وبعد نظره، وسعة علمه، وإنما قلنا : إنه لون معنى الإيمان لونا خاصا لما روي عنه من بعض الأقوال التي تدل على أن الله جعل لمحمد نورا، ثم تنقل هذا النور إلى أهل بيته، كالذي ذكره المسعودي من حديث نسبه الإمام جعفر إلى الإمام علي جاء فيه: «إن الله أتاح نورا من نوره، فلمع ونزع قبسا من ضيائه فسطع ... ثم اجتمع النور في وسط تلك الصورة الخفية، فوافق ذلك صورة نبينا محمد، فقال الله - عز وجل: أنت المختار المنتخب، وعندك مستودع نوري، وكنوز هدايتي، من أجلك أسطع البطحاء، وأموج الماء، وأرفع السماء، وأنصب أهل بيتك للهداية، وأوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل به عليهم دقيق، ولا يغيب عنهم به خفي، وأجعلهم حجتي على بريتي، والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي ...» ونحو ذلك من الأقوال المنسوبة إليهم، فكل هذا جعلنا ننسب إلى الإمام جعفر الصادق صبغته للإمام صبغة جديدة لم نكن نعرفها من قبل.

وكان لجعفر الصادق أولاد كثيرون، منهم إسماعيل، وكان هو الأكبر وهو المعين للإمامة بعد أبيه. ولكن حدث أن مات إسماعيل قبل موت أبيه، فأحدث ذلك خلافا كثيرا عند الشيعة، وكان هو السابع، فرأت فرقة أن إسماعيل هذا كان آخر الأئمة، ومنهم من أنكر موته، وقال: إنه غاب، وإنه سيعود، وإنه لم يمت حقيقة، بل حجبه الله إلى الوقت الذي يقتضي ظهوره، ويسمى هؤلاء بالسبعية؛ لوقوفهم في الإمامة عند هذا، ويسمون أيضا بالإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل هذا، وهو قول غريب.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٧٣