والثاني:
أن المسلمين اليوم أحوج ما يكون إلى الوحدة؛ لوقوعهم في مشاكل أمام أوروبا، وأمام أنفسهم، لا ينقذهم منها إلا وحدتهم، وليس أسر لعدوهم من فرقتهم، فما بالنا نسيء إلى أنفسنا بفرقتنا، ونفرح العدو بشتاتنا ... والله تعالى يقول:
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا (آل عمران: 103).
| هوامش
| الشيعة
الفصل الأول
| الشيعة1
كانت فرق الشيعة فرقا كبيرة، يعتنقها عدد كثير من المسلمين، ويتجادل علماؤهم مع المعتزلة وأهل السنة جدالا طويلا، حكى عنه المؤرخون كثيرا، وكانت هذه الفرق تختلف غلوا واعتدالا.
ومن أشد الخصومات ما كان بين المعتزلة والروافض؛ لما روي من أن جماعة كثيرة جاءت زيد بن علي لتبايعه، وألحوا عليه في قبول البيعة، ومحاربة بني مروان، فلما أراد زيد أن يجاهر بالأمر جاء إليه بعض رؤسائهم، وقالوا له: «ما قولك في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما الله، وغفر لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي يتبرأ منهما، ولا يقول فيهما إلا خيرا، وأشد ما أقول: إنا كنا أحق بسلطان رسول الله
صلى الله عليه وسلم
من الناس أجمعين، وإن القوم استأثروا علينا، ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، قد ولوا فعدلوا في الناس، وعملوا بالكتاب والسنة.» فلم تعجبهم هذه الأجوبة، فنكثوا عن البيعة له ورفضوه، فقال زيد: «رفضتموني في أشد ساعات الحاجة!» فسموا بالروافض عند ذلك. وقد يسمون بالرافضة أيضا، وهو اسم مكروه، وهناك طوائف غير الرافضة بعضهم أكثر غلوا، وبعضهم أكثر اعتدالا، ومن أعدلهم الزيدية.
| هوامش
الفصل الثاني
| الإمامة
كذلك من أعدلهم من جمع بين الشيعة والاعتزال، أهم اختلافهم كان على مسألة الإمامة، هل الأحق بخلافة المسلمين أبو بكر وعمر وعثمان؟ فقال أهل السنة: إن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، وإنهم لم يظلموا عليا، ولم يغتصبوا منه الخلافة، وإن أكثر الصحابة كانوا أعلم بظروفهم، وأعلم بأخلاق بعضهم؛ فاختاروا أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان؛ لأنهم رأوا أن ذلك أنفع للمسلمين. وذهبت الشيعة إلى أن عليا أولى بالخلافة؛ لأن النبي
صلى الله عليه وسلم
نص على ذلك، ولأن فيه من المزايا ما ليس في غيره.
ومن أجل أن الإمامة أهم شيء في الخلاف، وقد عدوها أصلا من أصول الدين سميت طائفة كبيرة بالإمامية، وهم يرون أن الإمامة في علي أولا، ثم في أبنائه على التعيين واحدا بعد واحد، وأن الإيمان بالإمام، ومعرفته أصل من أصول الدين، وقد دعاهم احترام الأئمة، وإجلالهم إلى القول بعصمتهم، والحق أن ظاهر القرآن لا يقول بعصمة الأنبياء مثل:
وعصى آدم ربه فغوى (طه: 121)، و
عبس وتولى * أن جاءه الأعمى (عبس: 1، 2)
فلعلك باخع نفسك (الكهف: 6)،ولهذا لما قال الشيعة بعصمة الأئمة اضطروا أن يقولوا بعصمة الأنبياء أيضا، وفشت هذه العقيدة في المسلمين الآخرين، وربما كان الفخر الرازي من أسبق القائلين بعصمة الأنبياء.
ويقول المجلسي في كتابه «حياة القلوب»: «وهم - أي الأئمة - معصومون من الذنوب صغيرها وكبيرها، فلا يقع منهم ذنب أصلا، لا عمدا، ولا نسيانا، ولا سهوا، ولا غير ذلك. ولا يقع منهم ذنب قبل نبوتهم، حتى ولا في دور طفولتهم. ويستند الشيعة في ذلك إلى قوله تعالى لإبراهيم:
إني جاعلك للناس إماما (البقرة: 124)، قال:
ومن ذريتي (البقرة: 124)، ثم قال:
لا ينال عهدي الظالمين ، قالوا: فنعلم من ذلك أن كل مذنب فاسق ظالم، فلا يصلح للإمامة ... قالوا: ولا يصلح للإمامة من كان يعبد الأصنام، أو أشرك بالله لحظة واحدة، حتى وإن صار مسلما بعد ذلك، وقد قال تعالى:
إن الشرك لظلم عظيم (لقمان: 13)، وكذلك لا يكون إماما من ارتكب حراما صغيرا كان أم كبيرا، حتى ولو تاب بعد ذلك، فإنه لا يأمر بإقامة الحد من وجب إقامة الحد عليه، فوجب أن يكون الإمام معصوما، ويستدل الشيعة على ذلك بأحاديث كثيرة، وقد يفلسفون هذه العصمة كالذي يقول المجلسي: «واعلم أن القائلين بالعصمة قد اختلفوا في المعصوم: هل هو قادر على فعل المعصية أم لا؟ فالذين قالوا بأنه غير قادر قالوا: إن في بدنه أو في نفسه خاصة تقتضي أن يكون الإقدام على ارتكاب المعصية محالا، وقال بعضهم: إن العصمة ملكة نفسانية لا يصدر عنها أية معصية، ويقول بعضهم: إن العصمة لطف من الله بالنسبة للعبد، فلا يجد العبد في هذا اللطف داعيا لترك الطاعة، وارتكاب المعصية.»