تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أمثلة هذا التعصب: ما حكى السبكي في طبقات الشافعية أن الصاحب بن عباد عرض على محمد بن الحسن البحاث القضاء على شرط أن يتمذهب بمذهبه، أي الاعتزال؛ فامتنع، وقال: لا أبيع الدين بالدنيا. قال: وهذا مما يستنكر من مثل الصاحب، وهو ما هو. ويقول الجاحظ: «وعبتم علينا إكفارنا إياكم، وأنتم أسرع الناس إلى إكفارنا.» مما يدل على ما بين الفرق من العداء، وسرعة الرمي بالكفر . ويقول في موضع آخر: «ونحن لم نكفر إلا من أوسعناه حجة، ولم نتهم إلا أهل التهمة، وليس كشف المتهم من التجسس، ولا امتحان الظنين من هتك الأستار، ولو كان كل كشف هتكا، وكل امتحان تجسسا لكان القاضي أهتك الناس بستر، وأشد الناس كشفا لعورة.» وما ظنك بقوم كفروا الغزالي، وأحرقوا كتاب «الإحياء»، وكثيرا ما كان يدعو التعصب إلى التعصب، وحرارة القتال إلى حرارة القتال.

ومن نعم الله أن كثيرا من كبار العلماء كانوا لا يرون هذا الرأي، ولا يكفرون أحدا من أهل القبلة يؤيدون مذهبهم، ويعذرون مخالفيهم، كالغزالي، والفخر الرازي، وصاحب كتاب «العلم الشامخ»، وابن تيمية وأمثالهم.

قال أحمد بن المختار الرازي في كتابه «حجج القرآن»: «ما من فرقة إلا ولها حجة من الكتاب، وما من طائفة إلا وفيها علماء نحارير فضلاء لهم في عقائدهم مصنفات، وفي قواعدهم مؤلفات، وكل منهم يؤول دليل صاحبه على حسب عقيدته، ووفق مذهبه، وما منهم من أحد إلا ويعتقد أنه المحق، وأن مخالفه في ضلال بعيد، و

كل حزب بما لديهم فرحون ، وقد دافع في كتابه هذا عن الفرق المختلفة، وعذرها؛ لأنها اعتمدت في مذهبها على نصوص من القرآن والسنة، ونهى من يكفر أهل القبلة، أو يعير طائفة بالقلة، أو يخرجهم ببدعة عن الملة»، وقال ابن تيمية: «إن الكفر يكون بتكذيب الرسول

صلى الله عليه وسلم

فيما جاء به، أو الامتناع عن متابعته»، وعقد فصلا في تخطئة من فرق المسلمين بالتكفير.

ولما رأى الغزالي ما انتشر في أهل عصره من التعصب، حتى رمي هو نفسه بالكفر، ألف كتابه «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة»، ودعا فيه إلى التسامح على أوسع وجه، وقال صاحب «العلم الشامخ»: «إن الخلاف والتعصب والتحزب هو الذي حمل سيوف بعض المسلمين على بعض وحلل دماءهم، وأموالهم، وأعراضهم، وحرف الكتاب والسنة، ثم صيرهما كالعدم بسد باب الاجتهاد ...» وقال أيضا: «ثم ترتب على الافتراق تقويم كل لعمود الشقاق، وصار كل منهم إنما يعتز بمن مال إليه من الملوك على خصمه.» وقال الأشعري نفسه في أول كتابه «مقالات الإسلاميين»: «اختلف المسلمون بعد نبيهم في أشياء ضلل فيها بعضهم بعضا، وتبرأ بعضهم من بعض، فصاروا فرقا متباينة إلا أن الإسلام يجمعهم فيعمهم.»

وكان كبار العلماء لا يتحرجون من الاستعانة في العلم بأصحاب الرأي المخالف، فقد روى الغزالي في «المستصفى» أن عليا رضي الله عنه استأذنه قضاة البصرة بأن يقبلوا شهادة أهل البصرة من الخوارج وغيرهم، فأمرهم بقبولها كما كان يقبلها قبل حربهم له؛ لأنهم حاربوا على تأويل، وفي رد شهادتهم تعصب، وتجديد خلاف، ثم إن الشيخين - البخاري ومسلما - لم يحجما عن قبول المعتزلة، وغيرهم في رواية الحديث، مع تصلب الشيخين في الرواة وتحريهما، وعد ابن حجر أسماء كثير من المعتزلة، والمرجئة، والشيعة، والخوارج، وغيرهم ممن خرج له الشيخان، أو أحدهما.

ويعجبني قول صاحب «العلم الشامخ»: «إني لست بمعتزلي، ولا أشعري، ولا أرضى بغير الانتساب إلى الإسلام، وصاحب الشريعة

صلى الله عليه وسلم

وأعد الجميع إخوانا، وأحسبهم على الحق أعوانا.» وهو قول حق أؤيده فيه كل التأييد.

ولئن كان التسامح في زمانهم واجبا، فهو في زماننا أوجب لسببين:

الأول:

أن كثيرا من أسباب الخلاف كان تاريخيا، وقد أصبح في ذمة التاريخ كالخلاف في أي الصحابة أفضل، والخلاف فيما علمه الصحابة في حروبهم وسيرهم، وقد انقضى كل هذا ودفن في التاريخ، فما لنا نفتح صفحة طواها الله؟!

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٧٠