وأقل من هذا التصديق بمجرد السماع ممن حصل فيه الاعتقاد لكثرة ثناء الخلق عليه، كمن يحسن الظن في أبيه وأستاذه؛ فيعتقد اعتقادا جازما في أخباره إذا أخبره بخبر ميت، أو حضور غائب.
ويلي هذا في الرتبة الإيمان بقول القائل لوجود قرائن تدل على صحته، كمن علم أن فلانا مريض، ثم سمع خبرا ممن يثق بصدقه أنه مات، فعلمه بمرضه قرينة على صحة الخبر ... إلخ، وخرج من هذا إلى نتيجة أن العوام ، وجمهور الناس ليس لهم من سعة العقل، وعمق الثقافة وسعتها ما يستطيعون به الإيمان بناء على البرهان الصحيح الذي يقتضيه علم الكلام، ومن أجل هذا ألف كتابه «إلجام العوام عن علم الكلام»، بل إن هذه البراهين تضرهم وتشككهم؛ لأنهم لا يحسنون استخدام البراهين على وجوهها الصحيحة، فلا يعرفون مقدمة صغرى ولا كبرى، ولا شروط القياس الصحيح، ونحو ذلك.
فأولى بهم الدرجات الأخرى من الاعتقاد، خصوصا وأن القرآن الكريم لم يتبع في الدعوة إلى الإيمان هذه الطرق المنطقية، بل دعا بلفت النظر إلى آيات الله في الكون، وما يتطلبه ذلك من شعور القلب واهتزازه، مثل:
أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت (الغاشية: 17، 18) ... إلخ، ومثل:
ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم (الروم: 22) الآيات. والدعوى إلى النظر في السماء والأرض، وإرسال الرياح والغيث ... إلخ إلخ، فهذه الطريقة تفيد الناس أكثر مما تفيدهم الطريقة المنطقية الجدلية الكلامية.
على أن الغزالي نفسه وهو عالم كبير مع تمرسه بالقواعد المنطقية في كتب الفقه والفلسفة، واستعراضه المذاهب المختلفة من تشيع واعتزال وأهل السنة، كل ذلك لم يجعله يطمئن إلى الإيمان الصحيح الذي يرتضيه، إنما جعله يؤمن ويطمئن بالرياضة النفسية، وتفتح قلبه للتصوف والكشف، وإصغائه إلى صوت قلبه لا عقله.
وقد تقسمت البلاد الفرق المختلفة، فقد كان أكثر شيعة العراق معتزلة، وكذلك شيعة الهند، والشام، والبلاد الفارسية، وانتشرت الزيدية في اليمن، وهم يتفقون مع المعتزلة في كثير من الأصول، وانتشر مذهب السلف، وإن شئت فقل: السنية في بلاد نجد، ثم هناك طوائف سنية في الهند، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر. وأخيرا كان السواد الأعظم من البلاد الإسبانية أشعريين، ولنا هنا ملحوظتان:
الأولى:
أن البلاد وقد تقسمتها الفرق المختلفة، وكثر الجدال بين أهلها، كان كثير من العلماء غير دقيق في نقل مذهب المخالفين، وأول ما رأينا ذلك رأيناه في كتاب «الانتصار»؛ إذ نقل ابن الراوندي أشياء كثيرة عن المعتزلة، وكذبه فيها الخياط المعتزلي، ثم رأينا كثيرا من الكتب ك «الفرق بين الفرق» للبغدادي، تنسب إلى المعتزلة ما حكاه ابن الرواندي عن المعتزلة وكذبه فيه الخياط. كما نسبوا إلى المعتزلة القول بإنكار عذاب القبر، مع أنهم لم ينكروه، وإنما أولوه بأنه معنوي لا حسي، وفرق كبير بين الاثنين.
فالكتب مملوءة بالادعاءات على المذاهب المختلفة من غير تمحيص، معتزلة ينسبون إلى الشيعة ما لم يقولوا، وسنية ينسبون إلى الشيعة والمعتزلة ما لم يقولوا، وهكذا.
وقد عدوا الفخر الرازي من أدق من ينقل رأي المخالف ويمحصه، ويحدد نقط الخلاف، كما يظهر في كتابه «تأسيس التقديس».
والملاحظة الثانية:
شدة التعصب بين الشافعية والحنفية، وبين الماتريدية والأشعرية، وبين أهل السنة والمعتزلة والشيعة، وقد كان ذلك عاملا كبيرا من عوامل ضعف المسلمين، والذي يقرأ المقدسي في رحلته، وياقوت في معجم البلدان، ويرى صدق هذا القول من تخريب بلاد، وقتل نفوس، وشدة فتن وهياج، وكل فرقة لا تتعفف عن تكفير الأخرى، حتى لو صدقنا قول بعضهم في بعض لخرج المسلمون كافرين.
وكنت وأنا طالب أقرأ في كتاب «مسلم الثبوت»، فإذا قال صاحبه: «وقالت المعتزلة» لم يزد الشارح على قوله: «لعنهم الله»، مع أن المعتزلة مع بعض أغلاطهم قاموا بدور كبير في نصرة الإسلام، والدفاع عنه، وحتى تسمية كتبهم تدل على كثير من الحقد والغضب، مثل: كتاب «الصواعق المحرقة»، وكتاب «حز القلاصم»، وكم شنع المحدثون على الجهمية، وهو اسم كان في الأول يطلق على أتباع جهم بن صفوان الذي ظهر في الدولة الأموية، ثم أطلقوه على المعتزلة لاتفاقهم مع الجهمية في توحد ذاته تعالى، ونفي الصفات، وقولهم: إن الصفات هي الذات، وبعد أن شنعوا عليهم كفروهم.