تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وقد كانت كتب الغزالي وأمثاله محرمة في عهد المرابطين، حتى لقد أحرق كتاب «إحياء علوم الدين» للغزالي، فلما جاء الموحدون أعادوا له مجده.

أما الدولة الغزنوية، فكانت دولة تركية، وكان أعظم من ظهر فيها محمود الغزنوي بن سبكتكين، وكانت عاصمة البلاد غزنة في الهند، وقد غزا محمود الهند نحو سبع عشرة غزوة أدت إلى الاستيلاء على البنجاب، وعاصمتها لاهور، وعلى ملتان، وعلى بعض السند، وامتد سلطانه غربا إلى العراق العجمي، وفيه الري، وأصفهان، وأخرج منه الشيعة البويهيين، واعترف محمود بالخليفة العباسي القادر كما فعل صلاح الدين، وبذلك انتصر العنصر التركي على العنصر الإيراني، وإذا كان أكثر الفرس شيعة، فإن أكثر الترك سنية، وقد ازدهر العلم في عهده على المذهب السني، ومن مشاهير علمائه العتبي المؤرخ، والعالم المشهور البيروني، والشاعر الفردوسي، وهم يحكون أن محمود الغزنوي كان حنفيا، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي على يد الفقيه الشافعي الكبير «القفال».

ومن هذا يظهر أن الدولة الإسلامية كانت تتعاقب عقائدها بتعاقب حكوماتها، فإذا انتصرت الحكومة سياسيا، وكانت شيعية - أو بعبارة أخرى فارسية - حملت الناس على التشيع كالدولة الفاطمية والبويهية، وإذا انتصر الأتراك أو الأكراد، وكانوا سنيين حملوا الناس على اتباع مذاهبهم.

وأهل السنة من أشاعرة وماتريدية يقولون: إنهم لم يأتوا بشيء جديد، وإنما اتبعوا في مذاهبهم مذهب السلف، ومذهب السلف يعني مذهب الصحابة والتابعين، وحقيقته أنها إذا وردت آية متشابهة أو حديث آمنوا به على عمومه وصدقوه، وتركوا علمه إلى الله، ولم يخوضوا في تفسير معناه، ولم يتصرفوا فيه بتأويل، ولا زيادة، ولا نقصان، فإذا سمع مثلا نسبة اليد إلى الله والإصبع، وقوله: إن الله خمر طينة آدم بيده، «وإن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن»، قال: إني أعلم أن الأصابع واليد تتركب من لحم وعظم وعصب، واللحم والعظم والعصب جسم، وأنا أؤمن بأن الله ليس بجسم ولا عرض، فيد الله وأصابعه منزهة عن الجسمية، وأترك العلم بها وبمعانيها لله ولرسوله. وإذا سمع حديث: «إني رأيت ربي في أحسن صورة» قال: إن الصورة يراد بها الهيئة الحاصلة في الأجسام، والله تعالى منزه عن ذلك، وإن الصورة في حق الله لا تطلق على هذا المعنى المادي. وإذا سمع: «إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا» قال: إن النزول في العادة يطلق على جسم عال نزل من أعلى إلى أسفل، وهذا محال على الله، وإنما نترك تفسيره إلى الله ورسوله.

ومن أهل السنة كالأشاعرة - كما ذكرنا من قبل - من سمح لنفسه إذا كان عالما متخصصا أن يؤول ذلك كله، فيفسر اليد بالقدرة، ويفسر بقية الآيات على هذا النحو من التأويل، وقد روي عن بعض السلف مثل هذه التأويلات، وتوسع فيها المعتزلة إلى آخر حد.

على كل حال، امتلأ جو العالم الإسلامي بالكلام، فيما نسميه «علم الكلام»، وكثر الجدال، وكثرت المناظرات إلى حد غريب، وأثيرت الفتنة، وتدخلت السياسة، واعتنقت الحكومات مذهبا من المذاهب فنصرته، واعتنقت حكومات أخرى مذاهب أخرى فنصرتها، وتقاتلت السيوف كما تقاتلت الألسنة، وانتهى الأمر بأن شك بعض العلماء في قيمة علم الكلام، فألف الغزالي مثلا كتاب «إلجام العوام عن علم الكلام»، ورأى فيه أن الإيمان بالبرهان يتدرج أنواعا، فأرقاها وأعلاها أن يؤمن الإنسان، ويصدق تصديقا جازما بناء على برهان حاز كل شروطه، وتقصى المقدمات كلمة فكلمة، وتبعها درجة فدرجة، حتى جلاها وصفاها، ثم أوصلته إلى نتيجة آمن بها كل الإيمان، وهذا عادة لا يحصل إلا لقليل من العلماء الراسخين في العلم.

الثاني: أن يركن المؤمن إلى صحة ما يقول العلماء من غير بحث في كل كلمة أو مقدمة، ويليها أن يصدق المؤمن بالأدلة الخطابية، كما يحدث في المحاورات والمخاطبات التي تجري بها العادة، وذلك إيمان كثير من الناس.

ظهر الإسلام · الصفحة ٣٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ظهر الإسلامص ٣٦٨