| هوامش
الفصل الثالث
| السنة تصبح مذهبا رسميا
وقد سمي الأشعري وأتباعه والماتريدي وأتباعه بأهل السنة، وقد استعملت كلمة «أهل» بدل النسبة، فقالوا: أهل السنة أي السنيين، وقد يسمون أيضا الأثرية نسبة إلى الأثر، وهو الحديث. وسمى المعتزلة أنفسهم أهل العدل والتوحيد، وسمي المبتدعة أهل الأهواء، وسمي اليهود والنصارى أهل الكتاب، والقرآن الكريم سمى أصحاب الكهف أهل الكهف.
والسنة في أهل السنة تحتمل أحد معنيين؛ إما أن تكون السنة بمعنى الطريقة، أي أن أهل السنة اتبعوا طريقة الصحابة والتابعين في تسليمهم بالمتشابهات من غير خوض دقيق في معانيها، بل تركوا علمها إلى الله، وإما أن تكون السنة بمعنى الحديث، أي إنهم يؤمنون بصحيح الحديث، ويقرونه من غير تحرز كثير، وتأويل كثير كما يفعل المعتزلة.
واسم أهل السنة كان يطلق على جماعة من قبل الأشعري والماتريدي، وقد حكي لنا أن جماعة كان يطلق عليها أهل السنة، وكانت تناهض المعتزلة قبل الأشعري، ولما جاء الأشعري، وتعلم على المعتزلة اطلع أيضا على مذهب أهل السنة، وتردد كثيرا في أي الفريقين أصح، ثم أعلن انضمامه إلى أهل السنة، وخروجه على المعتزلة.
كان للحكومات دخل كبير في نصرة مذهب أهل السنة، والحكومات عادة إذا كانت قوية، وأيدت مذهبا من المذاهب تبعه الناس بالتقليد، وظل سائدا إلى أن تدول الدولة. نذكر من بين هذه الحكومات التي أيدت أهل السنة الأيوبية في مصر والشام، وعلى رأسها صلاح الدين، ودولة الموحدين، وعلى رأسها محمد بن تومرت، والدولة الغزنوية.
أما الدولة الأيوبية، وعلى رأسها صلاح الدين فقد أطاحت بالدولة الفاطمية الشيعية، وكانت قد تغلغت بشيعيتها في كل الحياة الاجتماعية المصرية والشامية، فيؤذن على المآذن الأذان الشيعي من «حي على خير العمل»، ورجال الدولة يدعون بالمذهب الشيعي، وعلى رأسهم داعي الدعاة، والأعياد، والمحافل تقام بالمراسيم الشيعية، والعلوم تدرس على مذهب الشيعة من تفسير وحديث وفقه، ومن وجد عنده موطأ مالك عذب، فجاء صلاح الدين يعاونه وزيره القاضي الفاضل، وأزال الدولة الفاطمية، وأحل محلها المذاهب السنية، وبنى المدارس يدرس فيها مذهب الشافعي ومالك، وأزال الخلافة الفاطمية، وخطب للخليفة العباسي في بغداد. ولتغلغل المذهب الفاطمي، وإلف الناس للدولة الفاطمية، تردد أن يخطب للخليفة العباسي، وأحجم كثير من الخطباء أن ينفذوا هذا الأمر لولا جرأة بعضهم على ذلك، فلم يحرك المصريون ساكنا فجرأ ذلك صلاح الدين على المضي في سبيله، بل إن صلاح الدين كتب منشورا يحرم فيه الجدل حول خلق القرآن وكلام الله، كالذي كان يثيره المعتزلة، وجاء في هذا المنشور: «خرج أمرنا إلى كل قائم في خف، أو قاعد في أمام أو خلف ألا يتكلم في الحرف بصوت، ولا في الصوت بحرف؛
1
فمن يتكلم بعدها كان الجدير بالتكليم
فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم . وسأل النواب القبض على مخالفي هذا الخطاب، وبسط العذاب، ولا يسمع لمتفقه في ذلك تحيير جواب، ولا يقال عن هذا الذنب تاب، وليعلم بقراءة هذا الأمر على المنابر، ليعلم به الحاضر والبادي، ويستوي فيه البادي والحاضر
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (الأحزاب: 4)، والظاهر أنه من إنشاء القاضي الفاضل؛ لأنه بأسلوبه أشبه.
وعلى الجملة فقد عادت مصر والشام فاصطبغا بالصبغة السنية بعد أن اصطبغا بالصبغة الشيعية، وخصوصا في علمهما، وثقافاتهما، وتدينهما.
وأما دولة الموحدين في المغرب والأندلس، فقد كان رئيسها محمد بن تومرت قد رحل إلى المشرق، وحضر فيه دروس الدين، وتتلمذ على الإمام الغزالي، فلما تملك وأنشأ دولة الموحدين حمل الناس على اتباع مذهب الأشاعرة، حسبما فسره له أستاذه الغزالي.