أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم (نوح: 1)؛ حيث تدل على أن حجة الإيمان تلزم الخلق قبل أن يأتيهم النذير؛ لأنها لو كانت لا تلزمهم لكانوا في أمن من نزول العذاب بهم قبل أن يأتيهم النذير، فلا يخوفون بنزول العذاب بهم قبل أن ينذروا، فلما خوفوا بنزول العذاب بهم قبل أن يأتيهم دل على أن الحجة لازمة عليهم، وأن الله تعالى يعذبهم لتركهم التوحيد، وإن لم يرسل إليهم الرسل، واستدل الأشعرية على قولهم بقوله تعالى:
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (الإسراء: 15)؛ حيث نفى العذاب مطلقا قبل وصول الشرع. وقد أجابت الماتريدية بأن الآية محمولة على عذاب الاستئصال، ونفي وقوعه قبل بعث الرسول لدلالة سياقها، وهو قوله تعالى:
وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها (الإسراء: 16)، كما اختلفوا في هذا الموضوع نفسه في حقيقة الإيمان، فقال الماتريدية: الإيمان: الإقرار والتصديق، أي أن الإقرار شطر منه، وركن من أركانه. وقال الأشعري: إن النطق بالشهادتين من القادر شرط في الإيمان، ولكنه خارج عن ماهيته التي هي التصديق. واستدل الماتريدية بأن الإيمان لغة: التصديق، والتصديق كما يكون بالقلب يكون باللسان، فيكون كل من التصديق القلبي، والتصديق اللساني ركنا في مفهوم الإيمان. واستدل الأشعري على قوله بقول الله تعالى:
أولئك كتب في قلوبهم الإيمان (المجادلة: 22)، وقوله:
وقلبه مطمئن بالإيمان (النحل: 106)، فهذه الآيات تدل على أن محل الإيمان هو القلب، فيدل على أن الإيمان هو التصديق القلبي فقط.
واختلفوا في المتشابهات، وأساس اختلافهم قراءتهم لقوله تعالى:
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا (آل عمران: 7)، فالماتريدية يقفون عند قوله:
وما يعلم تأويله إلا الله (آل عمران: 7) أليق ببلاغة النظم؛ لأنه لما ذكر أن من القرآن متشابهات جعل الناظرين فيه فريقين: الزائغين عن الطريق، والراسخين في العلم. وجعل اتباع المتشابه حظ الزائغين بقوله تعالى:
فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله (آل عمران: 7)، وجعل في مقابل ذلك اعتقاد الحق مع العجز عن إدراك حظ الراسخين بقوله:
والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا (آل عمران: 7)، ولو عطف
والراسخون في العلم
على الله لكان قوله تعالى:
يقولون
كلاما مبتدأ حذف مبتدؤه، أي
يقولون ، والحذف خلاف الأصل.
ومثلا: اختلفوا في أن الذكورة هل هي شرط النبوة أو لا، فقال الماتريدية: إن الذكورة شرط النبوة. وقال الأشعرية: إنها ليست شرطا، بل صحت نبوة النساء. استدل الماتريدية بقوله تعالى:
وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم (النحل: 43)، فيدل هذا على أن الإرسال إنما كان للرجال، وذلك ينفي نبوة المرأة، واحتج الأشاعرة بقوله تعالى:
وأوحينا إلى أم موسى (القصص: 7)؛ حيث دل على أنه وقع الإيحاء إليها، والإيحاء من خصائص الأنبياء. ورد الماتريدية بأن الوحي هنا بمعناه الواسع وهو الإلهام، وذلك حتى كان ذلك إلى النحل، فقال تعالى:
وأوحى ربك إلى النحل (النحل: 68)، فمعنى آية أم موسى أنه أوقع في قلبها عزيمة أن تلقيه في التابوت، ثم تقذف التابوت في اليم ... إلى مثل هذه المسائل.
والذي يقارن بين العقائد النسفية، والرسائل المؤلفة على مذهب الأشعري يرى كثيرا من هذا الخلاف، فارجع إليه إن شئت التفصيل.
1
ونحن لو دققنا النظر في الخلاف بين الأشعرية والماتريدية وجدنا لون الاعتزال أظهر في الأشعرية بحكم تتلمذ الأشعري للمعتزلة عهدا طويلا، كالذي ذكرنا من قبل مثل إدراك الإيمان بالعقل، والمسئولية حتى قبل ورود الشرع.
وقد انتصر للمذهب الماتريدي كثير من علماء الحنفية مثل: فخر الإسلام البزدوي، والتفتازاني، والنسفي، وابن الهمام، إلى غيرهم، ولكنهم لم يبلغوا - والحق يقال - مبلغ أتباع الأشعري؛ فرجح مذهب الأشعري، وزاد انتشاره، وكثر أتباعه.